إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ {١٤٠} تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ {١٤١} } [البقرة: ١٣٩-١٤١] قوله: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ}[البقرة: ١٣٩] الآية، خاصمت يهود المدينة ونصارى نجران رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقالوا: إن أنبياء الله كانوا منا، ونبينا هو الأقدم، وكتابنا هو الأسبق، ولو كنت نبيا كنت منا.
فأنزل الله تعالى:{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا}[البقرة: ١٣٩] أي: أتخاصموننا وتجادلوننا؟ ! وهذا استفهام معناه التوبيخ.
وقوله: فِي الله أي: فِي دين الله، {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ}[البقرة: ١٣٩] أي: نحن وأنتم عبيد له، ولنا أعمالنا نجازى بحسنها وسيئها، ولكم أعمالكم: وأنتم فِي أعمالكم على مثل سبيلنا، لا يؤخذ بعضنا بذنب بعض، ونحن له مخلصون موحدون.
قال ابن الأنباري: وفي الآية إضمار وهو: وأنتم غير مخلصين، فحذف اكتفاء بقوله:{وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ}[البقرة: ١٣٩] كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ}[النحل: ٨١] .
قوله: أم تقولون قرئ بالتاء والياء، فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله من قوله:{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا}[البقرة: ١٣٩] وما بعده من قوله: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ}[البقرة: ١٤٠] بالتاء، ومن قرأ بالياء فلأن المعنى لليهود والنصارى وهم غيب.
ومعنى الآية: كأنه قيل: بل أتقولون إن الأنبياء الذين ذكروا فِي هذه الآية من قبل أن تنزل التوراة {كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ}[البقرة: ١٤٠] أي: قد أخبرنا الله أن الأنبياء كان دينهم الإسلام ولا أحد أعلم منه.
وقوله:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ}[البقرة: ١٤٠] توبيخ لليهود، قال ابن عباس: يريد: من أظلم ممن كتم شهادته التي أشهد عليها؟ ! يريد أن الله أشهدهم فِي التوراة والإنجيل أنه باعث فيهم محمد بن عبد الله من ذرية إبراهيم، وأخذ على ذلك مواثيقهم أن يبينوه للناس، فكتموه وكذبوا فِيهِ.
وقال مجاهد، والربيع: الشهادة فِي أمر إبراهيم والأنبياء الذين ذكرهم أنهم كانوا حنفاء مسلمين، فكتموها وقالوا: إنهم كانوا هودا أو نصارى.