(بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ) أَيْ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ (أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْإِنْفَاقِ صَرْفُ الْمَالِ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ هِدَايَتِهِ تَعَالَى وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَلَاحُ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِيمَا هُوَ نَافِلَةٌ، وَهَذَا الْإِنْفَاقُ زَكَاةُ فَرْضٍ (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَآتُوا حَقَّهُ} [الأنعام: ١٤١] أَيْ الْوَاجِبَ فِيهِ (يَوْمَ حَصَادِهِ) يُرِيدُ بِهِ مَا كَانَ يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْحَصَادِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لَا الزَّكَاةَ الْمُقَدَّرَةَ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وَقِيلَ الزَّكَاةَ، وَالْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وَالْأَمْرُ بِإِتْيَانِهِ يَوْمَ الْحَصَادِ لِيُهْتَمَّ بِهِ حِينَئِذٍ حَتَّى لَا يُؤَخَّرَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْأَدَاءِ؛ وَلِيُعْلَمَ أَنَّ الْوُجُوبَ بِالْإِدْرَاكِ لَا بِالتَّنْقِيَةِ.
{وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: ١٤١]- قَالَ السَّابِقُونَ) أَيْ الْمَذْكُورُونَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ (أَيْ، وَلَا تُسْرِفُوا فِي الصَّدَقَةِ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّدَقَةِ سَرَفٌ لَمَا نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُتَصَوَّرًا (لِمَا رُوِيَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّهُ صَرَمَ» أَيْ قَطَعَ «خَمْسَمِائَةِ نَخْلَةٍ» أَيْ قَطَعَ ثَمَرَهَا وَجَمَعَهُ «ثُمَّ قَسَمَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ» عَلَى الْفُقَرَاءِ «وَلَمْ يَتْرُكْ لِأَهْلِهِ شَيْئًا فَنَزَلَتْ {وَلا تُسْرِفُوا} [الأنعام: ١٤١] أَيْ لَا تُعْطُوا كُلَّهُ» .
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ) (- رَحِمَهُ اللَّهُ - «قَالَ جَدَّ» أَيْ قَطَعَ «مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَخْلَةً فَلَمْ يَزَلْ يَتَصَدَّقُ» بِالتَّمْرِ «حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ» لِأَهْلِهِ «فَنَزَلَ {وَلا تُسْرِفُوا} [الأنعام: ١٤١] » ، وَقَالَ السُّدِّيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْ، وَلَا تُعْطُوا أَمْوَالَكُمْ) بِالْكُلِّيَّةِ إلَى الْفُقَرَاءِ (فَتَقْعُدُوا فُقَرَاءَ) أَيْ فَتَصِيرُوا مُحْتَاجِينَ بِالْإِسْرَافِ (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: ٢٩] .
وَقَالَ جَابِرٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «جَاءَ غُلَامٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ أُمِّي تَسْأَلُك كَذَا وَكَذَا» كِنَايَةً عَنْ تَعْدَادِ الشَّيْءِ، وَعِدَّتِهِ، وَتَعَدُّدُ الْأَمْرِ كِنَايَةٌ عَمَّا يُرَادُ بِهِ «فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا عِنْدَنَا الْيَوْمَ شَيْءٌ) فَذَهَبَ إلَى أُمِّهِ فَقَالَتْ قُلْ لَهُ إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيك الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْك فَجَاءَ، وَ (قَالَ فَتَقُولُ لَك) أُمِّي (اُكْسُنِي قَمِيصَك) فَدَخَلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَيْتَهُ (فَخَلَعَ قَمِيصَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ وَجَلَسَ فِي الْبَيْتِ عُرْيَانًا» ، وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَأَذَّنَ بِلَالٌ لِلصَّلَاةِ وَانْتَظَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَخْرُجُ» أَيْ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَمْ يَخْرُجْ «وَاشْتَغَلَتْ الْقُلُوبُ» وَتَرَدَّدَتْ بِعَدَمِ خُرُوجِهِ «فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ فَإِذَا هُوَ عَارٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ» {وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: ٢٩] {فَتَقْعُدَ} [الإسراء: ٢٩] فِي بَيْتِك {مَلُومًا} [الإسراء: ٢٩] عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ {مَحْسُورًا} [الإسراء: ٢٩] مَكْشُوفًا مِنْ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعِهِ أَيْ كَشَفَ (كَذَا ذَكَرَهُ السَّابِقُونَ) مِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْمَذْكُورِينَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.