عَلَيْك (وَإِنْ أَعْرَضْت) وَلَمْ تَلْتَفِتْ إلَى نُبَاحِهِ بِأَنْ تَشْتَغِلَ بِخِدْمَةِ مَوْلَاك أَوْ بِالِاتِّجَاءِ إلَى صَاحِبِهِ تَعَالَى (سَكَتَ) غَالِبًا أَوْ مِنْ شَأْنِهِ السُّكُوتُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْكَلَامِ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْكُت) بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعَاذَةِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إمَّا لِعَدَمِ الْقُوَّةِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ أَوْ لِقُوَّةِ عَمَلِ الشَّيْطَانِ أَوْ لِحِكْمَةٍ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (بَلْ تَغَلَّبَ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنْ التَّكَلُّفِ إمَّا لِكَوْنِ غَلَبَتِهِ فِي تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ بِمَشَاقَّ كَثِيرَةٍ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ لِلْكَمَالِ فِي الْغَلَبَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِالْمَشَقَّةِ غَالِبًا يَكُونُ أَكْمَلَ (عَلَيْنَا) يَعْنِي لَمْ يُزِلْ وَسْوَسَتَهُ عَنَّا لَا بِمَعْنَى أَجْبَرَ وَحَكَمَ كَمَا عَرَفْت (عَلِمْنَا أَنَّهُ) أَيْ تَغَلُّبَهُ (ابْتِلَاءٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) مُعَامَلَةُ اخْتِبَارٍ مِنْهُ - تَعَالَى - وَإِلَّا فَحَقِيقَتُهُ مُحَالٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى (لِيُرِيَ) يُظْهِرَ إلَى مَلَائِكَتِهِ (صِدْقَ مُجَاهَدَتِنَا) مَعَهُ وَقُوَّةَ دَفْعِنَا وَسْوَسَتَهُ وَحِيَلَهُ لَعَلَّ فَائِدَةَ الْإِرَادَةِ اسْتِغْفَارُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ وَدُعَاؤُهُمْ وَشَفَاعَتُهُمْ إيَّاهُ (وَ) أَيْضًا اخْتِبَارُ (قُوَّتِنَا) فِي أَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَصَبْرِنَا (كَمَا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَلَّطَ عَلَيْنَا) عَلَى نَوْعِنَا (الْكُفَّارَ) جِنْسَهُمْ (مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى كِفَايَةِ أَمْرِهِمْ) سِيَّمَا عَلَى أَفْضَلِ خَلْقِهِ حَبِيبِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِيَكُونَ لَنَا حَظٌّ مِنْ الْجِهَادِ (وَ) كِفَايَةِ (شَرِّهِمْ) أَيْ كَفِّهِ (لِيَكُونَ لَنَا حَظٌّ) أَجْرٌ وَثَوَابٌ (مِنْ الْجِهَادِ) بَدَنًا أَوْ مَالًا أَوْ بِهِمَا مَعًا.
وَالْجِهَادُ ذُرْوَةُ سَنَامِ الْأَمْرِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ (وَالصَّبْرِ) إلَى الْمَشَاقِّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: ٤٨]- وَلِذَا كَانَ أَجْرُ سَائِرِ الْأَعْمَالِ مَحْسُوبًا دُونَ أَجْرِ الصَّبْرِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: ١٠] وَكَذَا أَجْرُ الشَّهَادَةِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَمْ حَسِبْتُمْ} [آل عمران: ١٤٢] لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ وَأَمْ بِمَعْنَى بَلْ قِيلَ الْخِطَابُ لِلَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ {أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} [آل عمران: ١٤٢] قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ شِدَّةٌ فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ} [آل عمران: ١٤٢] الْوَاوُ لِلْحَالِ وَلَمَّا بِمَعْنَى لَمْ لَكِنْ النَّفْيُ فِي لَمَّا آكَدُ وَمُتَّصِلٌ بِالْحَالِ {الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} [آل عمران: ١٤٢] يَعْنِي لَمْ يَظْهَرْ جِهَادُ الْمُجَاهِدِينَ {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: ١٤٢] لَعَلَّ حَاصِلَ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا تَظُنُّوا دُخُولَ الْجَنَّةِ مَا لَمْ يَقَعْ مِنْكُمْ الْجِهَادُ وَالصَّبْرُ لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِالْعِلْمِ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ وَتَحَقُّقِهِ، فَإِنَّ مَا عَلِمَهُ - تَعَالَى - وَاقِعٌ أَلْبَتَّةَ كَمَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ اللَّهُ عَالِمٌ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَا وَقَدْ عَرَفْت فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ أَنَّ الْعِلْمَ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ قِدَمُ عِلْمِهِ - تَعَالَى - وَلَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ؛ لِأَنَّك قَدْ عَرَفْت أَيْضًا أَنَّ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقَاتٍ حَادِثَةً فَمَا وُجِدَ فِي الْحَالِ غَيْرَ مَا وُجِدَ فِي الْأَزَلِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُدُوثِ هَذَا التَّعَلُّقِ حُدُوثُ الْعِلْمِ فَلَا يَلْزَمُ الْجَهْلُ قَبْلَ ذَلِكَ فَافْهَمْ وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى الْمَعْلُومِ مَشْهُورٌ يُقَالُ هَذَا عِلْمُ فُلَانٍ وَالْمُرَادُ مَعْلُومُهُ.
وَقِيلَ كُلُّ آيَةٍ يُشْعِرُ ظَاهِرُهَا بِتَجَدُّدِ الْعِلْمِ فَالْمُرَادُ تَجَدُّدُ الْمَعْلُومِ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَقِيسِ يَعْنِي الْمُشَبَّهَ ابْتِدَاءً عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي اعْتَبَرُوهَا فِي الْقُرْآنِ كَمَا سَبَقَ وَأَيْضًا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى - {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: ١٤٠] ، وَقَالَ {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} [التوبة: ١٦]
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.