أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ، أَوْ الْحُرْمَةِ لِقُرْبِ عَهْدٍ
وَلَوْ حَنَفِيًّا يَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَصُحِّحَ نَفْيُهُ:
ــ
[منح الجليل]
خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ. وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ الَّتِي كَانَتْ، وَأَنَّ الْعِلَّةَ الشِّدَّةُ وَمُخَامَرَةُ الْعَقْلِ وَسَوَاءٌ عَلِمَ وُجُوبَ الْحَدِّ
(أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ) وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْحُرْمَةَ (أَوْ) جَهِلَ (الْحُرْمَةَ لِقُرْبِ عَهْدٍ) مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ لِكَوْنِهِ بَدَوِيًّا لَمْ يَقْرَأْ الْكِتَابَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ وَمِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ فَلَا يُرْفَعُ عَنْهُ الْحَدُّ بِذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فَشَا فَلَا أَحَدَ يَجْهَلُ شَيْئًا مِنْ حُدُودِهِ. ابْنُ شَاسٍ مَنْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ يُحَدُّ قَوْلًا وَاحِدًا. الشَّيْخ عَنْ مُحَمَّدٍ مَنْ شَرِبَهُ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهُ كَالْأَعْجَمِيِّ الَّذِي دَخَلَ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْرِفُ الْحُرْمَةَ فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ بِهَذَا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ.
وَيُحَدُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ الَّذِي لَا عُذْرَ لَهُ بِشُرْبِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَنَفِيًّا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (حَنَفِيًّا) أَيْ مُقَلِّدًا لِلْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (يَشْرَبُ) الْحَنَفِيُّ (النَّبِيذَ) الْقَلِيلَ الَّذِي يُسْكِرُ كَثِيرُهُ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحُدُّهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُهَا (وَصُحِّحَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (خِلَافُهُ) أَيْ عَدَمُ حَدِّهِ مِنْ الْبَاجِيَّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ مَنْ تَأَوَّلَ فِي الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ أَنَّهُ حَلَالٌ يُحَدُّ وَلَا يُعْذَرُ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَلَعَلَّ هَذَا فِيمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ فَالصَّوَابُ عَدَمُ حَدِّهِ إلَّا أَنْ يَسْكَرَ مِنْهُ، وَقَدْ جَالَسَ مَالِكٌ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ كَانَ يُبِيحُ شُرْبَ النَّبِيذِ، فَمَا أَقَامَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَدًّا وَلَا دَعَا إلَيْهِ مَعَ تَظَاهُرِهِمْ بِشُرْبِهِ وَمُنَاظَرَتِهِمْ فِيهِ وَقَدْ قَالَ مَا وَرَدَ عَلَيْنَا مَشْرِقِيٌّ مِثْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. أَمَا إنَّهُ آخِرُ مَا فَارَقَنِي عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.