واليهود لم تكن تجادل في هذا، وقد رواه الترمذي، بلفظ ظاهره أن بعض المسلمين سأل هذا السؤال ولفظه: أتى ناس إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا: يا رسول اللَّه أنأكل مما نقتل، ولا نأكل مما قتل اللَّه؟ فأنزل اللَّه تعالى:{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} إلى قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}[الأنعام: ١٢١](١)، وهذا لا يناقض كون المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال فسأل عنه المسلمون رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا أحسب قوله إن اليهود سألوا عن ذلك إلا وهمًا من أحد الرواة، واللَّه أعلم.
وسأله -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل فقال: يا رسول اللَّه إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمتُ عَلَيَّ اللحم، فأنزل اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} [المائدة: ٨٧، ٨٨](٢)، ذكره الترمذي.
(١) رواه الترمذي (٣٠٦٩) في (التفسير): باب ومن سورة الأنعام عن محمد بن موسى الحرشي، عن زياد بن عبد اللَّه البكائي: حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به، وقال: حسن غريب. أقول: عطاء بن السائب تكلمنا عليه في الحديث السابق، وشيخ الترمذي قال ابن حجر عنه في "التقريب": بين الحديث، وقد رواه -كما ذكرت من قبل- عن عمران بن عيينة عن عطاء مثل الرواية السابقة، وانظر ما قبله، وما ذكرته هناك. وقد روى أبو داود (٢٨١٨)، وابن ماجه (٣١٧٣)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٤/ ١٣٨٠ رقم ٧٨٤٥)، والبيهقي (٩/ ٢٤١) من طرف عن إسرائيل عن سماك بن حرب، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} يقولون: ما ذبح اللَّه فكلوا، وما ذبحتم أنتم فكلوا، فأنزل اللَّه عز وجل: {وَلَا تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}، وصحح إسناده ابن كثير مع أن رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب. (٢) رواه الترمذي (٣٠٦٤) في (التفسير): باب ومن سورة المائدة، وابن جرير الطبري (١٠/ ٥٢٠ رقم ١٢٣٥٠)، وابن عدي (٥/ ١٨١٧)، والطبراني في "الكبير" (١١٩٨١)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٤/ رقم ٦٦٨٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٩٨) من طرق عن الضحاك بن مخلد، عن عثمان بن سعد: حدثنا عكرمة عن ابن عباس فذكره. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم عن عثمان بن سعد مرسلًا ليس فيه عن ابن عباس ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلًا. (أما في "تحفة الإشراف" (٥/ ١٥) فذكر عن الترمذي أنه قال: ورواه خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس). وأنا أُصَوّب العبارة الموجودة في "السنن" المطبوعة: خالد عن عكرمة مرسلًا، إذ أن عثمان بن سعد هذا ضعفه ابن معين، وكان يحيى بن سعيد يُضعّف حديثه في "التفسير"، وضعفه النسائي، وقال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه فلو رواه خالد موصولًا لكانت متابعة قوية، ولكن رواه مرسلًا، وهو الصواب في هذا الحديث، فتحسين الترمذي -رحمه اللَّه- فيه نظر.