للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:
مسار الصفحة الحالية:

ولم يخلُ عصر من العصور من إمام يقوم بواجب هذه الصنعة، إلا أن المنهج -وكما يعرفه المختصون- اختلف من المتقدمين إلى المتأخرين. فبعد أنْ كان عند المتقدمين قائمًا على الاجتهاد والأصالة والسبر والاستقراء، أصبح عند المتأخرين قائمًا على الترتيب والجمع والتصنيف، ومن خلال التطور الزمني للتصنيف في علم الجرح والتعديل، كان "الكمال في أسماء الرجال" (١) للحافظ عبد الغني المقدسي أحد حلقات تطوره، والذي نال من الاهتمام ما لا ينكره عاقل، ومن ثم تكاثرت فروعه، فكان أحد تلك الفروع كتاب: "تقريب التهذيب" لحافظ عصره بلا مدافع، وإمام وقته بلا منازع أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -رحمه اللَّه تعالى-.

وقد برزت في هذا الكتاب -كما في غيره من كتبه- شخصية الحافظ الناقد الخبير البصير بمواضع الكلام، ومراتب الرواة، وعلل أحاديثهم، فكان خير تعبير عن علم جمٍّ وافر، وذوق ناقد ماهر، فلقي من القبول ما لم يكد يلقه كتاب آخر في موضوعه، ولم يجرأ أحد من الناس على رد أحكام الحافظ -بل: غاية ما كان استدراكات لا يخلو عمل بشري من العوز لها- منذ تأليفه في النصف الأول من القرن التاسع الهجري حتى وقت قريب.

وبينما المسلمون اليوم يعيشون بين صفعة حاقد، وزمجرة جامد، وتسلط كاسد، ظهر في أسواقهم كتاب أسماه مؤلفاه الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف والشيخ شعيب الأرنؤوط: "تحرير تقريب التهذيب"، ادعيا فيه تعقب الحافظ في أحكامه، وأنه أخطأ في خُمس الكتاب، ولم يكن صاحب منهج و. . . و. . . و. . .، مما وصفا الحافظ من أوصاف شديدة.

ومن هنا أخذت على عاتقي التصدي لهذا الكتاب، وبيان ما فيه من زيف وزلل وخطأ ووهم، وليس تجمعني والمؤلفَينِ كراهةٌ، لكن مقالة الحق لا تبقي


(١) أشبعت الكلام عنه في مقدمة المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الكتاب فراجعه فهو غني في بابه.

<<  <   >  >>