صِزنا في منزلِه أخرَجَ إلينا أنواعًا من الأطعمة احتَفلَ فيها، فلمّا وُضِعت بينَ يدَي الشيخ أعظَمَ ذلك وقال للرجُل: هلّا أعلمتَني بهذا كلِّه حتى لا آخُذَ ما جَرَت لي به العادةُ من مقدارِ الغذاء، وتشَكَّى له بمعِدَتِه حتى صار الرجلُ إلى الاعتذار وكأنه أذنَبَ ذنبًا، إذْ لم يُعلِفه بذلك، فأكَلْنا الطعامَ ولا والله ما ذاق الشّيخُ منه لُقمةً واحدة، فعَظُم -والله- في نفْسي وازدَتُ به غبطة.
وكان كثيرَ الاحتمال ممّن جَفَاه أو سَبَّه لا يرفَعُ بذلك رأسًا ولا يتغيَّرُ لمُعاديه، بل يَتودَّدُ إليه ويُظهِرُ بِرَّه وإكرامَه، وسَنُلمُّ بذكْرِ نُبذةٍ من أخبار سَلَفِه وآثارِهم في رَسْم خليلٍ أبيه إن شاء الله (١).
ومن نَظْم أبي العبّاس هذا في ترتيبِ العلوم ما أنشَدَ عنه ابنُه أبو الخَطّاب [الكامل]:
إنَّ العلوم لجَمَّة وأجلُّها ... علمُ القُرَانِ وسُنَّةِ المختارِ
فاخفَظْ كتابَ الله واحوِ علومَهُ ... فإذا انتهيتَ فمِلْ إلى الآثارِ