القرآن
{بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)} [البقرة: ٨١]
التفسير:
فحُكْمُ الله ثابت: أن من ارتكب الآثام حتى جَرَّته إلى الكفر، واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه وهذا لا يكون إلا فيمن أشرك بالله، فالمشركون والكفار هم الذين يلازمون نار جهنم ملازمة دائمةً لا تنقطع.
قوله تعالى: {بَلَى} [البقرة: ٨١]، " أي: بلى تمسكم النار وتخلدون فيها" (١).
قال الزمخشري: " أى بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله: {هُمْ فِيها خالِدُونَ} " (٢).
قا السعدي: " أي: ليس الأمر كما ذكرتم، فإنه قول لا حقيقة له" (٣).
قال المراغي: " أي ليس الأمر كما ذكرتم، بل تمسّكم النار وتمسّ غيركم دهرا طويلا" (٤).
قال ابن كثير: "يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون" (٥).
قال الواحدي: " ومعنى الآية: أنه ردّ على اليهود قولَهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} فقال: (بلى) أُعذِّبُ من كَسَبَ سَيّئةً" (٦).
قال الطبري: " تكذيب من الله القائلين من اليهود: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} " (٧).
وقال الزجاج: " فألحق في هذه الآية، والإجماع أن هذا لليهود خاصة لأنه عزَّ وجلَّ في ذكرهم .. والذي جرى في هذه الأقاصيص إِنما هو إِخبار عن إليهود" (٨).
وقوله: {بَلى}، إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ}، أي بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله {هُمْ فِيها خالِدُونَ} " (٩).
وقوله {بَلَى}: حرف جواب كنعم، والفرق بينهما أن (بلى) لا يقع إلا فى جواب النفي ويصير إثباتا، تقول: ألم يأت زيد؟ فتقول بلى. أي: أتى، قال تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بلى .. } [الأعراف: ١٧٢]، ومثله: قالُوا {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} فقال تعالى: (بلى) أي تمسكم، أى تدخلوها بذنوبكم، ويخلد فيها كل كافر بالله معاند لحكمه (١٠)، بخلاف (نعم) فإنها لتقرير ما قبلها نفيا أو إثباتا، فإذا قيل: ألم يأت زيد؟ فقلت: نعم، أي لم يأت، وإذا قيل: هل أتى زيد فقلت: نعم، أي أتى، وقد نظم ذلك بعضهم فقال: «بلى» جواب النفي لكنه يصير إثباتا، كذا حرّروا (١١).
قوله تعالى: {مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} [البقرة: ٨١]، أي" من عمل سيئة" (١٢).
(١) محاسن التأويل: ١/ ٦٣.
(٢) الكشاف: ١/ ١٥٨.
(٣) تفسير السعدي: ٥٧.
(٤) تفسير المراغي: ١/ ١٥٤.
(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٥.
(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٩٦.
(٧) تفسير الطبري: ٢/ ٢٨٠.
(٨) معاني القرآن: ١/ ١٦٢.
(٩) محاسن التأويل: ١/ ٣٤١.
(١٠) جاء في الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للحلبي (١/ ٤٥٥): أي بلى تَمَسُّكم أبداً، بدليلِ قولِه: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} قاله الزمخشري، يريد أن «أبداً» في مقابَلَةِ قولهم: {إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} وهو تقديرٌ حَسَنٌ. قلتُ: وإن كنت أشم في تقدير الزمخشري رائحة نصرة عقيدته في الاعتزال، والتي فيها تخليد أصحاب الكبائر في جهنم.
(١١) انظر: تفسير البحر المديد: ١/ ١٢٥ - ١٢٦.
(١٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٥.