٦ ومن فوائد الآية: تحريم الإفتاء بلا علم؛ وعلى هذا يجب على المفتي أن يتقي الله عزّ وجلّ، وألا يتسرع في الإفتاء؛ لأن الأمر خطير.
٧. ومن فوائد الآية: أن كثيرا من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء، ويطلقون عنان أنفسهم فى المعاصي والشهوات، ويقولون: سمعنا من سيدى فلان يقول: من رآنا لا تمسه النار. وهذا غلط وغرور، وقد قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا" (١) وقد روي عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: "سل"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: "أَوْ غيرَ ذلك؟ ! "، قلت: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (٢).
(١) رواه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٢٠٦). فهذا كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأقاربه الأقربين: عمه، وعمته، وابنته؛ فما بالك بمن هم أبعد؟ فعدم إغنائه عنهم شيئا من باب أولى، فهؤلاء الذين يتعلقون بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويلوذون به، ويستجيرون به الموجودون في هذا الزمن وقبله: قد غرهم الشيطان واجتالهم عن طريق الحق؛ لأنهم تعلقوا بما ليس بمتعلق؛ إذ الذي ينفع بالنسبة للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الإيمان به واتباعه. ففي الحديث امتثال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمر ربه في قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ) الشعراء/٢١٤، فإنه قام بهذا الأمر أتم القيام؛ فدعا وعم وخصص، وبين أنه لا ينجي أحدا من عذاب الله بأي وسيلة، بل الذي ينجي هو الإيمان به واتباع ما جاء به، وإذا كان القرب من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يغني عن القريب شيئا؛ دل ذلك على منع التوسل بجاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن جاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا ينتفع به إلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا كان أصح قولي أهل العلم تحريم التوسل بجاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " انتهى مختصرا ". (مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين " (٩/ ٢٨٥ - ٢٨٨). ويقول الشيخ ابن باز رحمه الله: " المعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولا وعملا واعتقادا، أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي، كما قال صلى الله عليه وسلم: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" – رواه مسلم - وقال: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا"، وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة، ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء " انتهى. مجموع فتاوى ابن باز " (٣/ ٩٨).والله أعلم. (٢) رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه ١/ ٣٥٣ (٤٨٩). ويتعلق بهذا الحديث فوائد: الفائدة الأولى: لقد كان ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ويبيت معه، ويأتيه بوَضوئه وحاجته، وكانت نفسه تواقة بذلك إلى الجنة؛ ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له أن يكون رفيقًا له في الجنة، وهذا يدل على علو همته؛ إذ كان بإمكانه أن يسأل الدنيا بأسرها، يسأل المال والمتاع الزائل، إلا إنه لما خيره الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء يشفع له فيه عند ربه لم تَتُقْ نفسُه إلا إلى أعلى المعالي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى خيرة أخرى: "أَوْ غيرَ ذلك"، فتمسك بما اختاره أولًا، وهكذا المؤمن ينبغي أن يكون ذا همة عالية مترفعة عن الدنايا، تواقة إلى ما عند الله تعالى. الفائدة الثانية: دل الحديث على استحباب شكر الإنسان لمن يقدم له خدمة أو عملًا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أحب أن يكافئ ربيعة على خدمته له؛ فلذلك خيره فيما يريد، وقد جاء في حديث الأشعث بن قيس الكندي وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يشكر اللهَ مَن لا يشكر الناسَ"؛ رواه أحمد: ٥/ ٢١١، ٢١٢، ومن طريقه الضياء في الأحاديث المختارة ٤/ ٣٠٧، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧١)، وحديث أبي هريرة نحوه: رواه أحمد ٢/ ٢٥٨، ٢٩٥، ٣٠٢، ٣٨٨، ٤٦١، ٤٩٢، وأبو داود في كتاب الأدب، باب في شكر المعروف ٤/ ٢٥٥ (٤٨١١)، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك ٤/ ٣٣٩ (١٩٥٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والبخاري في الأدب المفرد ص ٨٥ (٢١٨)، والطيالسي ص ٣٢٦، وصححه ابن حبان ٨/ ١٩٨ (٣٤٠٧)، والألباني في صحيح الجامع (٦٦٠١) وصحيح الترغيب والترهيب (٩٧٣)، فالإحسان للمحسن وشكره من محاسن الأخلاق التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، وجحود ذلك وإهماله من مساوئ الأخلاق التي ينبغي أن يترفع عنها المؤمن. الفائدة الثالثة: لما كانت الجنة لا تنال إلا بالعمل الصالح أمر النبي صلى الله عليه وسلم ربيعة رضي الله عنه أن يكثر من الصلاة، وفي هذا دليل على مشروعية الإكثار من صلاة النوافل، وقد شرع الله تعالى لنا في اليوم والليلة صلوات كثيرة، وصلاة النفل مشروعةٌ في كل وقت، إلا أوقات النهي عن الصلاة (وهي ثلاثة على الإجمال، وخمسة على التفصيل، وهي إجمالًا: من صلاة الفجر حتى ارتفاع الشمس قِيدَ رمح، ومن استواء الشمس في وسط السماء حتى تزول، ومن صلاة العصر حتى تغيب الشمس.)، وأفضلها صلاة الليل، وفي حديث ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة"؛ رواه أحمد وابن ماجه وهو صحيح (رواه أحمد ٥/ ٢٧٦، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب المحافظة على الوضوء ١/ ١٠١ (٢٧٧)، والدارمي ١/ ١٧٤ (٦٥٥)، وصححه ابن حبان ٣/ ٣١١ (١٠٣٧)، وقال الحاكم في المستدرك على الصحيحين ١/ ٢٢١: صحيح على شرط الشيخين، وقال العقيلي في الضعفاء ٤/ ١٦٨: إسناده ثابت عن ثوبان، وقال المنذري (الترغيب والترهيب ١/ ٩٧): رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وقال ابن عبدالهادي (تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ٣/ ١٤٢): هو حديث صحيح، وقال الحافظ (فتح الباري ٤/ ١٠٨): الحديث صحيح، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٢/ ١٣٥ (٤١٢) وصحيح الجامع (٩٥٢)، فينبغي للمسلم ألا يغفل عن نوافل اليوم. والليلة؛ كالسنن الرواتب، وصلاة الضحى، وقيام الليل، وصلاة الوتر، فهي مما يقربه من الله تعالى، ويدنيه من الجنة التي لأجلها شمر الصالحون، واجتهد المجتهدون. (انظر: حديث: أعني على نفسك بكثرة السجود، الشيخ عبدالرحمن بن فهد الودعان الدوسري، شبكة الآلوكة).
حل مشكلة عدم فتح المكتبة الشاملة بعد التحديث الأخير
كل من نزل عنده التحديث التلقائي الجديد للشاملة ثم لم تفتح بعد ذلك، عليه أن ينزل الملف المشغّل الجديد المرفق على هذا الرابط (launcher.exe)، ثم ينسخه إلى هذا المجلد ويستبدل به القديم الذي عنده. والتحديث ليس به إضافات جديدة، وإنما هو إصلاح لبعض الأخطاء القديمة.