قاله قتادة (١)، ومجاهد (٢)، وأبو العالي (٣)، وابن زيد (٤)، وابن عباس (٥) في رواية علي بن أبي طلحة عنه.
والثالث: إِلاَّ أَمَانِيَّ، يعني: إلا تلاوة من غير فهم.
وهو اختيار البغوي (٦) والراغب الأصفهاني (٧) والواحدي (٨)، والسعدي (٩)، وأبو عبيدة (١٠)، وابن الأنباري (١١)، وابن قتيبة (١٢)، والزجاج في أحد قوليه (١٣)، ونسبه الرازي إلى الأكثرين (١٤).
وأيدوا رأيهم بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: ٥٢]، أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته (١٥).
قال ابن القيم: "والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلى ألقى الشيطان في تلاوته" (١٦).
وقال ابن الأزهري: "والتلاوة سميت أمنية؛ لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمنّاها، وإذا مرّ بآية عذاب تمنّى أن يُوَقّاه" (١٧).
لكن اعترض على هذا القول بأنه لا يتناسب مع قوله تعالى {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ}؛ لأن الأمي لا يقرأ.
وممن اعترض بهذا: البيضاوي (١٨) والشنقيطي (١٩).
إلا أن هذا الاعتراض مردود بأن المراد هو حصول التلاوة، وهي حاصلة من غير هؤلاء الأميين، بأن يسمعونه من غيرهم، كما فسره بهذا جمع من أهل العلم، بل، إن هذا الاعتراض أيضاً مردود، حتى على القول بأنهم هم الذين يقرأون؛ لأن معرفة القراءة لا ترفع وصف الأمي، فنحن نرى بعض كبار السن، وبعض الأعاجم لا يعرف من القراءة، إلا قراءة القرآن الكريم، وهذا لا يرفع وصف الأمية عنه. ولذا، يقول الراغب الأصفهاني: " وقال غيره-يعني غير مجاهد- إلا تلاوة مجردة عن المعرفة، من حيث إن التلاوة بلا معرفة المعنى تجري عند صاحبها مجرى أمنية تمنيتها على التخمين" (٢٠).
ومن ذلك قال الشاعر (٢١):
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكُلَى وضرب الرقاب
وقال كعب بن مالك (٢٢):
تمنّى كتابَ الله أولَ ليلِهِ ... وآخرها لاقى حِمَام المقادر
أي: قرأ وتلا كتاب الله في أول الليل، وفى آخر الليل وافاه أجله.
قال الواحدي: "ويسمّى القراءة تمنِّيًا، لأنها تشبه التحدث، وما تمناه الإنسان فهو مما يحدث به نفسه؛ ولهذا فُسِّرت الأماني في هذه الآية بالأحاديث" (٢٣).
وقال آخر (٢٤):
تمنى كتاب الله آخر ليله ... تمني داود الزبور على رسل
أي تلا كتاب الله مترسلا فيه كما تلا داود الزبور مترسّلا فيه (٢٥).
والرابع: أنَّ الأَمَانِيَّ: التقدير، قاله ابن سكيت (٢٦)، والفراء (٢٧)، وأنشد قول الشاعر (٢٨):
ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله ... حتى تَبَيّنَ ما يَمْني لَكَ الماني
أي: ما يقدر لك القادر (٢٩).
و(إلا): في هذا الموضع بمعنى (لكن) وهو عندهم من الاستثناء المنقطع، ومنه قوله تعالى: {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنَّ} [النساء: ١٥٧] قال النابغة (٣٠):
حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب
قوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: ٧٨]، أي: " إلا يشكون، ولا يعلمون حقيقته وصحته" (٣١).
قال الواحدي: "أي: لا يعلمون، أراد: ما هُمْ إلا ظانّينَ ظنًّا وتوهمًا لا حقِيقَةً ويقينًا" (٣٢).
قال ابن عباس: " أي لا يعلمون ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن" (٣٣). وروي عن أبي العالية (٣٤)، والربيع (٣٥)، نحو ذلك.
(١) انظر: تفسير الطبري (١٣٧١): ص ٢/ ٢٦١.
(٢) انظر: تفسير الطبري (١٣٦٨): ص ٢/ ٢٦١.
(٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٢): ص ٢/ ٢٦١.
(٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٣): ص ٢/ ٢٦١.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٠): ص ٢/ ٢٦١.
(٦) انظر: تفسيره: ١/ ١١٤.
(٧) انظر: تفسيره: ١/ ٢٣٩.
(٨) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٨٦.
(٩) انظر: تفسيره: ٥٦.
(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٣.
(١١) انظر: تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٦.
(١٢) انظر: تفسير غريب القرآن: ٤٦.
(١٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٥٩.
(١٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٣/ ٥٦٤.
(١٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٥٩، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٣.
(١٦) ((إغاثة اللهفان: ١/ ٩٣. وانظر: تفسير البغوي: ٣/ ٢٩٣، والوسيط" للواحدي: ٣/ ٢٧٦، وزاد المسير: ٥/ ٤٤٣، وأضواء البيان: ٥/ ٢٨٤. ونسبوه للأكثرين من أهل العلم.
(١٧) تهذيب اللغة: ١٥/ ٥٣٤.
(١٨) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ٣٤٩.
(١٩) انظر: أضواء البيان: ١/ ٣٩، والعذب النمير: ١/ ١٥٣.
(٢٠) المفردات في غريب القرآن: ٤٧٦.
(٢١) سيبويه ١: ٣٦٥، والوحشيات رقم: ٥٥، ومعجم الشعراء: ٢٤٢، وحماسة البحتري: ٣٢، وانظر تحقيق الراجكوتي في سمط اللآلئ: ١٨٤. والشعر يقوله في هجاء قيس عيلان يقول فيها:
قاتل الله قيس عيلان طرا ... ما لهم دون غدرة من حجاب
ثم إن سيبويه أنشد البيت برفع " غير "، على البدل من " عتاب "، اتساعا ومجازا.
(٢٢) البيت في "ديوانه" ص ٢٩٤ قاله في رثاء عثمان بن عفان، وينظر "تفسير ابن عطية" ١/ ١٦٩، "القرطبي" ٢/ ٥، وقيل: هو لحسان بن ثابت كما في "تفسير أبي حيان" ٦/ ٣٨٦، وليس في "ديوانه"، وبلا نسبة في: الزاهر في معاني كلمات الناس للأزهري (٢/ ١٥٠)، مقاييس اللغة"لابن فارس (٥/ ٢٧٧)، المحكم والمحيط الأعظم: (١٠/ ٥١١)، الفائق"للزمخشري (٣/ ٣٩٢)، لسان العرب (١٥/ ٢٩٥)، و، وكتاب "العين" ٨/ ٣٩٠، المسائل والأجوبة لابن قتيبة: ٢٣٤، تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة: ٥٣، وغريب الحديث لابن قتيبة: ٢/ ٧٣، وانظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية، للدكتور أميل بديع يعقوب: ٣/ ٣٧٠. وحمام المقادر: الموت.
(٢٣) التفسير البسيط: ٣/ ٨٦، وانظر: القاموس" ١٣٣٦: (مادة: المنا).
(٢٤) البيت ورد في اللسان: ١٥/ ٢٩٤، مادة (منى)، وقد نسبه ابن منظور إلى حسان،
(٢٥) معاني القرآن: ٣/ ٤٣٥ - ٤٣٣.
(٢٦) نقله عنه صاحب تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٤، ولم أجده في كتابيه: "تهذيب الألفاظ"، و"إصلاح المنطق".
(٢٧) نقله عنه ابن الأزهري في: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٤٥٤. ولم أجده في معاني القرآن.
(٢٨) البيت لأبي قلابة الهذلي، في "شرح أشعار الهذليين" ص ٧١٣، ولسويد بن عامر "المصطلقي في لسان العرب" ٧/ ٤٢٨٢، وذكره في "تهذيب اللغة" عن الفراء ولم ينسبه ٤/ ٣٤٥٤.
(٢٩) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٨٥.
(٣٠) ديوانه: ٤٢، وسيبويه ١: ٣٦٥، وغيرهما، وروايتهم جميعا: " بصاحب "، وكان في الأصل المطبوع " بغائب "، وأظن أن ما كان في الطبري خطأ من النساخ، لأنه لا يتفق مع الشعر. فالنابغة يمدح بهذه الأبيات عمرو بن الحارث الأعرج الغساني، فيقول قبله:
على لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده، ليست، بذات عقارب
حلفت يمينا. . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لئن كان للقبرين: قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عند حارب
وللحارث الجفني سيد قومه ... ليلتمسن بالجيش دار المحارب
وقوله: " مثنوية " أي استثناء. فهو يقول لعمرو: حلفت يمينا لئن كان من هو - من ولد هؤلاء الملوك من آبائه، الذين عدد قبورهم ومآثرهم - ليغزون من حاربه في عقر داره وليهزمنه، ولم أقل هذا عن علم إلا ما عندي في صاحبي من حسن الظن. فرواية الطبري لا تستقيم، إن صحت عنه.
(٣١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٦٥.
(٣٢) التفسير البسيط: ٣/ ٩٠.
(٣٣) أخرجه الطبري (١٣٧٧): ص ٢/ ٢٦٦.
(٣٤) انظر: تفسير الطبري (١٣٧٩): ص ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧.
(٣٥) انظر: تفسير الطبري (١٣٨٠): ص ٢/ ٢٦٧.