للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والصواب في ذلك من القراءة: {إن البقر تَشَابَهَ علينا}، بتخفيف (شين): تشابه، ونصب (هائه)، بمعنى: تفاعل، لإجماع الحجة من القراء على تصويب ذلك، ودفعهم ما سواه من القراءات، ولا يعترض على الحجة بقول من يَجُوز عليه فيما نقل السهو والغفلة والخطأ (١).

قوله تعالى: {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} [البقرة: ٧٠]، "أي سنتهدي إِلى معرفتها إِن شاء الله" (٢).

قال الثعلبي: " إلى وصفها" (٣).

قال البيضاوي: "أي: إلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل" (٤).

قال بعض السلف: "لو لم يقولوا: {إن شاء الله} لم يهتدوا إليها أبداً" (٥)، وهذا فيما إذا كان قصدهم تفويض الأمر إلى الله عزّ وجلّ؛ ويحتمل أن يكون قصدهم أنهم لو لم يهتدوا لاحتجوا بالمشيئة، وقالوا: "إن الله لم يشأ أن نهتدي"! وما هذا الاحتمال ببعيد عليهم" (٦).

الفوائد:

١. من فوئاد الآية: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله عزّ وجلّ بقولهم: {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} مرة أخرى.

٢ - ومنها: أهمية الاستثناء في تيسير الأمور وحصول مراد العبد، لذلك قيل "أنهم لما قرنوا بالمراجعة الأخيرة قولهما: {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} وفقهم الله لمعرفة ما سالوا عنه ولترك التعنت" (٧).

القرآن

{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)} [البقرة: ٧١]

التفسير:

قال لهم موسى: إن الله يقول: إنها بقرة غير مذللة للعمل في حراثة الأرض للزراعة، وغير معدة للسقي من الساقية، وخالية من العيوب جميعها، وليس فيها علامة من لون غير لون جلدها. قالوا: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة، فاضطروا إلى ذبحها بعد طول المراوغة، وقد قاربوا ألا يفعلوا ذلك لعنادهم. وهكذا شددوا فشدَّد الله عليهم.

قوله تعالى: {قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ} [البقرة: ٧١]، "أي: إنها ليست مذللة بالحراثة" (٨).

قال أبو السعود: " أي لم تُذلَّلْ للكِراب وسقى الحرث" (٩).

قال الصابوني: "أي: ليست هذه البقرة مسخرة لحراثة الأرض" (١٠).


(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢١١.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.
(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٨.
(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٧.
(٥) أخرج الطبري عن ابن جريج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شُدد الله عليهم؛ وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد". [تفسير الطبري (١٢٤٢): ص ٢/ ٢٠٥].
وهو حديث مرسل لا تقوم به حجة. وأخرجه الطبري في موضع آخر عن قتادة (١٢٤٤) مرسلا. وذكر معناه ابن كثير: (١/ ٣٠٠)، من تفسيرى ابن أبي حاتم وابن مردويه، بإسناديهما، من رواية الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، مرفوعا: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن بني إسرائيل قالوا: {وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} ما أعطوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوا لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا، فشدد الله عليهم".
قال ابن كثير: " وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة كما تقدم مثله عن السدي ". [تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٠].
(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٧.
(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٢٧.
(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٠٠.
(٩) تفسير أبي السعود: ١/ ١١٢.
(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>