وقال آخر (١):
خَلَقًا كَحَوْضِ الْبَاقِرِ الْمُتَهَدِّمِ
ويقال لجماعة البقرة: بيْقُور أيضاً، وقال أمية (٢):
وعَالَت الْبَيْقُورَا" (٣).
وقيل في أصل (البقر) وجهين (٤):
الأول: أن أصله من (الْبَقْر) الذي هو الشقّ، يقال: بقر بطنه إذا شقّه وفتحه، وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين (٥) رضي الله عنهما "الباقر"، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه وفتحه" (٦).
والثاني: التوسع في الشيء وفتح الشيء، وفي حديث حذيفة: "فما بال هؤلاء الذين
يَبْقُرونَ بيوتنا" (٧)، أَي يفتحونها ويوسعونها.
ومنه قوله عليه السلام: "فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ" (٨)، والبقرة هنا هي القِدر الكبير الواسع.
قال الماوردي: "وإنما أمر -والله أعلم- بذبح البقرة دون غيرها، لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته " (٩).
قوله تعالى: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} [البقرة: ٦٧]، " أي قالوا: أتجعلنا موضع سخرية وتهزأ بنا؟ " (١٠).
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي، أنهم عندما سمعوا قول موسى بذبح البقرة، فقالوا: "نسألك عن القتيل ومن قتله، وتقول اذبحوا بقرة، أتهزأ بنا؟ " (١١).
قال الثعلبي: "وإنّما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظّاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه" (١٢).
(١) البيت للحارث بن خالد المخزومي، البيت بتمامه:
مَالِي رَأَيْتُكَ بَعْدَ أَهْلِكَ مُوحِشًا ... قَفْرًا كَحَوْضِ البَاقِر المُتهَدمِ
ورد البيت في "جمهرة أمثال العرب" ١/ ٢٧٠، و"تفسير الثعلبي" ١/ ٨٤ أ، والسجاوندي في ص ٥٣، و"البحر المحيط" ١/ ٢٥٤.
(٢) وتمامه:
سَلْعٌ مَّا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَّا ... عَائِلٌ مَّا وَعَالَتِ الْبَيْقَورَا
و(السلع): نبت، و (عائل): من قولهم: عالني أثقلني، و (عالت البيقورا): أي أثقلت هذه السنة البيقور بالهزال. قال في مغني اللبيب: قال عيسى بن عمر: لا أدري ما معناه، ولا رأيت أحدا يعرفه، وقال غيره: كانوا إذا أرادوا الاستسقاء في سنة الجدب عقدوا في أذناب البقر وبين عراقيبها السَّلْع والعُشَر، وهما ضربان من الشجر، ثم أوقدوا فيها النار وصعدوا بها الجبال، ورفعوا أصواتهم بالدعاء. "مغني اللبيب" ١/ ٣١٤، وانظر: "جمهرة أمثال العرب" ١/ ٢٧٠، "تهذيب اللغة" (بقر) ١/ ٣٧٠، و (سلع) ٢/ ١٧٣٣، "الأزهية" ص ٨١، "اللسان" (بقر) ١/ ٣٢٤، و (علا) ٥/ ٣٠٩٠.
(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٩. وانظر:
(٤) انظر: تهذيب اللغة" (بقر) ١/ ٣٦٩، "الصحاح" (بقر) ٢/ ٥٩٥، ومقاييس اللغة" ١/ ٢٧٧ - ٢٨٠.
(٥) هو: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو جعفر، الباقر خامس الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية، كان ناسكًا عابدًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة , وقيل: ثماني عشرة. انظر: "حلية الأولياء" ٣/ ١٨٠، "تهذيب التهذيب" ٥/ ٣٠٩٠.
(٦) التفسير البسيط: ٣/ ٩. وانظر:
(٧) أخرجه البخاري (٤٦٥٨).
(٨) أخرجه أحمد في مسنده (٢٨١٧): ص ١/ ٣١٠. من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت عليّ رائحة طيبة فقلت: يا جبريل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت: وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى المشط من يديها فقالت: باسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت لا .. ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرته، فدعاها فقال: يا فلانة وإن لك رباً غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحداً واحداً إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع وكأنها تقاعست من أجله، قال المرضع: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت".
(٩) النكت والعيون: ١/ ١٣٧.
(١٠) تفسير المراغي: ١/ ١٤٣.
(١١) تفسير ابن أبي حاتم (٦٩١): ص ١/ ١٣٦.
(١٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٤.