قال المراغي: " فهذا القول منهم دليل على السفه وخفّة الأحلام، وجفاء الطبع والجهل بقدرة الله تعالى" (١).
وقال ابن عطية: " وهذا القول من بني إسرائيل ظاهره فساد اعتقاد ممن قاله، ولا يصح الإيمان ممن يقول لنبي قد ظهرت معجزاته، وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، أَتَتَّخِذُنا هُزُواً، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره، وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية، على نحو ما قال القائل للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله" (٢)، وكما قال له الآخر: "اعدل يا محمد" (٣)، وكلّ محتمل، والله أعلم" (٤).
و(الهزؤ): اللعب والسخرية، كما قال الراجز (٥):
قد هزئت مني أم طيسله ... قالت أراه معدما لا شيء له
يعني بقوله: قد هزئت: قد سخرت ولعبت (٦).
وقرأ ابن محيصن: {أيتّخذنا}، بالياء قال: "يعنون الله، ولا يستبعد هذا من جهلهم لأنّهم الّذين قالوا: {اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: ١٣٨] " (٧).
وفي قوله تعالى {هُزُوًا} [البقرة: ٦٧]، ثلاثة لغات (٨):
أحدها: بالتخفيف والهمز، ومثله {كفؤا}، وهي قراءة الأعمش وحمزة وخلف وإسماعيل.
والثاني: {هزؤا} و {كفؤا}، مثقلان مهموزان، وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز والشام واختيار الكسائي وأبي عبيد وأبي حاتم.
والثالث: و {هزوا} و {كفوا}، مثقلان بغير همزة. في رواية حفص بن سليمان البزّاز عن عاصم.
قال الثعلبي: " وكلّها لغات صحيحة معناها الاستهزاء" (٩).
قوله تعالى: {قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ} [البقرة: ٦٧]، " أي ألتجئ إلى الله" (١٠).
قال البغوي: أي: "أمتنع بالله" (١١).
قوله تعالى: {أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ} [البقرة: ٦٧]، أي" أن أكون في زمرة المستهزئين الجاهلين" (١٢).
قال الثعلبي: " أي من المستهزئين بالمؤمنين" (١٣).
قال الطبري: " يعني من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والباطل" (١٤).
قال البغوي: "وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال لأن الجواب لا على وفق السؤال جهل" (١٥).
(١) تفسير المراغي: ١/ ١٤٣.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٢٤): ص ٣/ ١٤٤٩، وأحمد في مسنده (٣٥٩٧): ص ١/ ٣٨٠، من حديث عبدالله.
(٣) رواه أحمد (١٤٤٠٦): ص ٣/ ٣٥٥، وابن ماجة (١٧٢): ص ١/ ٦١. من حديث جابر بن عبدالله.
(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٦٢.
(٥) البيت لصخير بن عمير التميمي، ويقال إن القصيدة للأصمعي نفسه. أنظر: الأصمعيات: ٥٨، وأمالي القالي ٢: ٢٨٤، وانظر تحقيق ما قيل فيها في تعليق سمط اللآلي للراجكوتي: ٩٣٠ وروايتهم جميعا:
تهزأ مني أخت آل طيسله ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويروى " مملقا لا شيء له " و " مبلطا "، وكلها بمعنى واحد: فقيرا لا شيء له.
(٦) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٨٢.
(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٤.
(٨) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٨١ - ٨٢، وتفسير الثعلبي: ١/ ٢١٤.
(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٤. وفيه وجهان آخران من القراءة ذكرهما ابن عطية، أحدهما: ضم الهاء والزاي والهمزة بين بين، والثاني: بضم الهاء وتشديد الزاي «هزّا». قرأ بها أبو جعفر وشيبة". [المحرر الوجيز: ١/ ١٦١ - ١٦٢].
(١٠) تفسير المراغي: ١/ ١٤٣، وانظر: صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.
(١١) تفسير البغوي: ١/ ١٠٦.
(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٩.
(١٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢١٤.
(١٤) تفسير الطبري: ٢/ ١٨٣.
(١٥) تفسير البغوي: ١/ ١٠٦.