والثالث: أنه العسل. قاله ابن زيد (٢)، وعامر (٣)، ومنه قول أمية بن الصلت في وصف تيه بني اسرائيل وما رزقوا فيه (٤):
فرأى الله أنهم بمَضِيعٍ ... لا بذي مَزْرعٍ ولا معمورا
فَنَساها عليهم غاديات ... ومرى مزنهم خلايا وخورا
عسلا ناطِفا وماء فراتا ... وحليبا ذا بهجة مثمورا
المثمور: الصافي من اللبن، فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلا ناطفا، والناطف: هو القاطر (٥).
الرابع: أنه الذي يسقط على الثمام والعُشَر، وهو حلو كالعسل، وإياه عنى الأعشى - ميمون بن قيس - بقوله (٦):
لو أُطعِموا المن والسلوى مكانَهمُ ... ما أبصر الناس طُعما فيهمُ نجعا
الخامس: أنه خبز الرقاق. قاله وهب (٧).
السادس: أنه الزنجبيل. قاله السدي (٨).
السابع: أنه الكمأة. ومنه حديث الرسول-صلى الله عليه وسلم-: " الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين "(٩).
قال ابن عطية:" فقيل: أراد عليه السلام أن الكمأة نفسها مما أنزل نوعها على بني إسرائيل"(١٠).
(١) أنظر: تفسير الطبري (٩٧١): ص: ٢/ ٩٢. (٢) أنظر: تفسير الطبري (٩٧٠): ص: ٢/ ٩٢. (٣) أنظر: تفسير الطبري (٩٦٦)، و (٩٦٧): ص: ٢/ ٩١ - ٩٢. (٤) ديوانه: ٣٤ - ٣٥. في الأصول والديوان. " ولا مثمورا ". مضيع: بموضع ضياع وهوان وهلاك. يقال: هو بدار مضيعة (بفتح الميم وكسر الضاد)، كأنه فيها ضائع. وهو مفعلة، وطرح التاء منها كما يقولون: المنزل والمنزلة. ومزرع: مصدر ميمي من " زرع " يعني ليس بذي زرع، ومعمور: أي آهل ذهب خرابه. ونصب " ولا معمورا "، عطفا على محل " بذي مزرع "، وهو نصب. وآثرت هذه الكلمة، لأنها هي التي تتفق مع سياقه الشعر، ولأن التحريف في " معمور " و " مثمور " سهل، ولما سترى في شرح البيت الثالث. (٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٩٤ - ٩٥. وقوله: ناطف، من نطف ينطف: قطر. وهو مشروح بعد - أي يقطر من السماء. والفرات: أشد الماء عذوبة. ووصف اللبن بأنه ذو بهجة. وهي الحسن والنضارة، لأنه لم يؤخذ زبده، فيرق، وتذهب لمعة الزبد منه، فاستعار البهجة لذلك. أما قوله: " مثمورا "، فهي في المطبوعة " ممرورا "، وفي المخطوطة في الصلب كانت تقرأ " مثمورا " ثم لعب فيها قلم الناسخ في الثاء والميم، ثم كتب هو نفسه في الهامش: " مزمورا "، ثم شرح في طرف الصفحة فقال: " المزمور: الصافي من اللبن ". وذلك شيء لا وجود له في كتب اللغة، وقد رأيت أنه كتب في البيت الأول " مثمورا "، ورجحت أن صوابها " معمورا "، ورجحت في هذا البيت أن يكون اختلط عليه حين كتب " مثمورا " فعاد فجعلها " مزمورا ". ولم أجد " مثمورا " في كتب اللغة، ولكن يقال: الثمير والثميرة: اللبن الذي ظهر زبده وتحبب قال ابن شميل: إذا مخض رؤي عليه أمثال الحصف في الجلد، ثم يجتمع فيصير زبدا، وما دامت صغارا فهو ثمير. ويقولون: إن لبنك لحسن الثمر، وقد أثمر مخاضك. فكأنه قال: " مثمورا " ويعني " ثميرا "، لأن فعيلا بمعنى مفعول هنا. (٦) ديوانه: ٨٧ من قصيدة طويلة، يذكر فيها ذا التاج هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكانت بنو تميم قد وثبت على مال وطرف كانت تساق إلى كسرى، فأوقع بهم المكعبر الفارسي، والي كسرى على البحرين، وأدخلهم المشقر - وهو حصن بالبحرين - بخديعة خدعهم بها، فقتل رجالهم واستبقى الغلمان. وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم، فوهبهم له يوم الفصح، فأعتقهم، فقال الأعشى، يذكر ما كان من قبل هوذة في بني تميم: سائل تميما به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلهم ضرعا وسط المشقر في عيطاء مظلمة ... لا يستطيعون فيها ثَمَّ ممتنعا لو أُطعموا المن. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فوصف بني تميم بالكفر لنعمته (تاريخ الطبري ٢: ١٣٢ - ١٣٤). والطعم: ما أكل من الطعام. ونجع الطعام في الإنسان: هنا أكله وتبينت تنميته، واستمرأه وصلح عليه. (٧) أنظر: تفسير الطبري (٩٧٢): ص ٢/ ٩٢. (٨) أنظر: تفسير الطبري (٩٧٣): ص ٢/ ٩٣. (٩) رواه أحمد والشيخان والترمذي، من حديث سعيد بن زيد. ورواه أيضًا أحمد والشيخان وابن ماجه، من حديث أبي سعيد وجابر. ورواه أبو نعيم في الطب، من حديث ابن عباس وعائشة. انظر مثلا، المسند: ١٦٢٥، ١٦٢٦. والجامع الصغير: ٦٤٦٣. وزاد المعاد لابن القيم ٣: ٣٨٣. وتفسير ابن كثير ١: ١٧٤ - ١٧٦، وقد ساق كثيرا من طرقه. (١٠) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٨.