للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثامن: وقيل: أن {المن}، مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع (١)، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: " الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (٢) في رواية "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (٣).


(١) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٤٨، ذهب إلى ذلك الزجاج في معاني القرآن: ١/ ١٣٨، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٢.
(٢) رواه مسلم (٢٠٤٩)، الكمأةُ: نبات ينمو في الصحارى بريًّا تشبه البطاطا في شكلها ولونها بني بلون الأرض وتكون في الأرض من غير أن تُزرع.
(الكمأة) لغة: بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه مهموز (فتح الباري لابن حجر: ١/ ١٨٠)، والكَمْأَةُ واحدها كَمءٌ على غيرِ قياس وهو من النوادِرِ فإِنَّ القِياسَ العَكْسُ (لسان العرب ١/ ١٤٨)، وقيل: الكَمْأَةُ هي التي إِلى الغُبرة والسَّواد، والجِبَأَةُ إِلى الحُمْرةِ والفِقَعةُ البِيضُ، وأَكْمَأَتِ الأَرضُ فهي مُكْمِئةٌ كَثُرت كَمْأَتُها وأَرضٌ مَكْمُوؤَةٌ كثيرة الكَمْأَة وكَمَأَ القومَ، وأَكْمَأَهم الأَخيرةُ عن أَبي حنيفة أَطْعَمَهُم الكَمْأَةَ (لسان العرب ١/ ١٤٨).
وخَرجَ الناسُ يَتَكَمَّؤُون أَي يَجْتَنُون الكَمْأَةَ، ويقال: خرج المُتَكَمِّئُون وهم الذين يَطْلُبون الكَمْأَةَ، والكَمَّاءُ بَيَّاعُ الكَمْأَة وجانيها (لسان العرب ١/ ١٤٨)، وقيل: سميت بذلك لاستتارها، يقال: كمأ الشهادة إذا كتمها (فتح الباري لابن حجر: ١٠/ ١٦٣)
وسُميّت كمأة لاستتارها فهي مخفية تحت الأرض ولا ورق لها ولا ساق. تكثر في السنين الممطرة وخاصة إذا كان المطر غزيرًا في أوائل فصل الشتاء فتنمو في باطن الأرض على عمق حوالي ١٠ سم أو أكثر وحجمها يختلف ما بين ما يشبه الحمصة وما يصل إلى حجم البرتقالة, وهي مما يوجد في فصل الربيع ويؤكل نيئًا ومطبوخًا وتُسميها العرب نبات الرعد لأنها تكثر بكثرته وتنفطر عنها الأرض وهي من أطعمة أهل البوادي.
ويسمونها في بلاد الخليج والجزيرة العربية الفقع وفي بلاد الشام الكمأة وهو الاسم القديم لها كما سمّاها الرسول صلى الله عليه وسلم وتسمى أيضًا نبات الرعد وفي بعض البلاد بشجرة الأرض أو بيضة الأرض أو بيضة البلد من فصيلة الفطريات ولها عدة أنواع: الزبيدي والخلاسي والهبر.
تحتوي الكمأة على البروتين بنسبة ٩ بالمائة، والمواد النشوية والتربة بنسبة ١٣ بالمائة، أما الدهن فهي فقيرة به أو لا يكاد يصل إلى ١ بالمائة لهذا فهي ذات مردود حراري متواضع، وأن ثلاثة أرباعها (٧٥ بالمائة) من الماء.
وتحتوي الكمأة على معادن مشابهة لتلك التي يحتويها جسم الإنسان مثل الفوسفور والصوديوم والكالسيوم والبوتاسيوم وتحتوي الكمأة على الفيتامين" ب ١ وب ٢" وهي غنية بهما، كما تحتوي الكمأة على كمية من النيتروجين إلى جانب الكربون والأوكسجين والهيدروجين وهي غنية بالفيتامين " أ " الذي يعالج هشاشة الأظافر وسرعة تقصّفها واضطراب الرؤية. (انظر: الكمأة من المن، الدكتور محمد نزار الدقر أخذا من موقع: http://www ٥٥ a.net. ويسير أمارة الدعبول وطافر العطار في مقالتهما (العسل والكمأة وأمراض العيون). مجلة طبيبك، إيلول ١٩٧٨. والمعتز بالله المرزوقي: في محاضرة له بعنوان (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين). من مواد المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي، الكويت ـ ١٩٨١).
أما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (شفاء للعين) فهذا من طبه صلى الله عليه وسلم ونحن نؤمن بذلك إيمان اليقين ولكن ينبغي الرجوع في ذلك إلى ذوي الاختصاص المؤمنين لأن وصفة الطبيب لا يجوز استعمال أي مريض لها بدون مانظرته، بل الذي يقرره الأطباء ضرورة رجوع المريض نفسه إلى الطبيب الذي أعطاه الوصفة ليقرر له هل يناسب استعمالها الآن مزاجه فيكررها أم لا (من تعليق صطفى ديب البغا على صحيح البخاري ٤/ ١٦٢٧).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من المن» قيل في المراد بالمن ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد أنها من المن الذي أنزل على بني إسرائيل وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلواً ومنه الترنجبين فكأنه شبه به الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفواً بغير علاج.
الثاني: أن المعنى أنها من المن الذي أمتن الله به على عباده عفواً بغير علاج قاله أبو عبيد وجماعة، وقال الخطابي ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل على بني إسرائيل فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان الترنجبين الذي يسقط على الشجر وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقي فهو من قبيل المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل فيقع على الشجر فيتناولونه.
ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل كان أنواعاً؛ منها ما يسقط على الشجر ومنها ما يخرج من الأرض فتكون الكمأة منه وهذا هو القول الثالث وبه جزم الموفق عبد اللطيف البغدادي ومن تبعه فقالوا أن المن الذي أنزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط بل كان أنواعاً منّ الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفواً ومن الطير التي تسقط عليهم بغير اصطياد ومن الطل الذي يسقط على الشجر (فتح الباري ١/ ١٦٣).
والمن مصدر بمعنى المفعول؛ أي ممنون به فلما لم يكن للعبد فيه شائبة كسب كان منّاً محضاً وإن كانت جميع نعم الله تعالى على عبيده منّاً منه عليهم لكن خص هذا باسم المن لكونه لا صنع فيه لأحد فجعل سبحانه وتعالى قوتهم في التيه الكمأة، وهي تقوم مقام الخبز، وأدمهم السلوى وهي تقوم مقام اللحم، وحلواهم الطل الذي ينزل على الشجر، فكمل بذلك عيشهم، ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من المن» فأشار إلى أنها فرد من أفراده، فالترنجبين كذلك فرد من أفراد المن وإن غلب استعمال المن عليه عرفاً، ولا يعكر على هذا قولهم لن نصبر على طعام واحد لأن المراد بالوحدة دوام الأشياء المذكورة من غير تبدل وذلك يصدق على ما إذا كان المطعوم أصنافاً لكنها لا تتبدل أعيانها (فتح الباري ١/ ١٦٣).
وحديث (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) قد رواه جمع من الصحابة رضي الله عنه منهم:
١ - سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ». رواه البخاري في تفسير سورة الأعراف، باب: المن والسلوى حديث رقم: (٤٦٣٩)، فتح الباري (٨/ ٢٠٣)، ورواه أيضاً في كتاب التفسير، باب: {وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى .. }، فتح الباري (٨/ ١٦٣)، ورواه الإمام أحمد في مسنده (١/ ١٨٧)، ورواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الأشربة، وبوب له النووي: فضل الكمأة ومداواة العين بها، (١٤/ ٤٢٣) من شرح صحيح مسلم.
- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ». مسلم (٢٠٤٩).
- وعنه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ». السنن الكبرى للنسائي (٦٦٣٢).
- وعنه رضي الله عنه قال: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي يَدِهِ كَمْأَةٌ، فَقَالَ: "تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ" مسند أحمد ط الرسالة (٣/ ١٧٩)
١٦٣٤ مسند الإمام أحمد (١/ ١٨٨).
٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وهم يتنازعون في هذه الشجرة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فقالوا: نحسبها الكمأة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم". مسند الإمام أحمد (٢/ ٤٢١، ٣٠٥).
(٣، ٤) - وعن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين, والعجوة من الجنة, وهي شفاء من الجنة". رواه ابن ماجه في كتاب الطب، باب: الكمأة والعجوة (٢/ ١١٤٢).
٥ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الْكَمْأَةُ دَوَاءُ لِلْعَيْنِ، وَإِنَّ الْعَجْوَةَ مِنْ فَاكِهَةِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ"، قَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: يَعْنِي الشُّونِيزَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمِلْحِ، "دَوَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا الْمَوْتَ". مسند أحمد ط الرسالة (٣٨/ ٢١، رقم ٢٢٩٣٨) وضعف محققاه إسناده، وصححاه لغيره لشواهده.
٦ - عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدَارَؤُوا فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي {اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: (نَحْسَبُهُ الْكَمْأَةَ). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ من الجنَّة، وفيها شفاءٌ من السُّمِّ" رواه ابن مردويه. انظر: تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ٢٧٠).
٧ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". رواه النسائي في سننه الكبرى في الأطعمة، باب: الكمأة (٤/ ١٥٦)، صحيح الجامع (٤٦١٣).
٨ - عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْكَمَأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ". أمالي ابن سمعون الواعظ (ص: ٢٣٤، ٢٣٥). صحيح الجامع (٤٦١٣).
٩ - عَن عَبد الله بن بريدة، عَن أبيه، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَليْهِ وَسلَّم: "واعلموا أن الكمأة من المن". الطب النبوي لأبي نعيم الأصفهاني (٢/ ٦١٩، رقم ٦٦٤، ٦٦٥).
فهذا الحديث كما ترى لم يتفرد به أبو هريرة بل رواه ستة من الصحابة غيره رضي الله تعالى عنه.
(٣) السنن الكبرى للنسائي: (٦٦٣٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>