قال ابن عثيمين: " والجملة هنا حالية. أي والحال أنكم تتلون الكتاب.؛ فلم تأمروا بالبر إلا عن علم؛ ولكن مع ذلك {تنسون أنفسكم} أي تتركونها، فلا تأمرونها بالبر" (١).
وذكروا في قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: ٤٤]، وجهين (٢):
أحدهما: معناه: وأنتم تدرسون وتقرءون الكتاب وهو التوراة. قاله ابن عباس (٣).
والثاني: ويحتمل أن يكون المعنى: وأنتم: تتبعون الكتاب، أي في الاقتداء به.
قال ابن عطية: والتوراة " تنهاهم عما هم عليه من هذه الصفة الذميمة" (٤).
قوله تعالى: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة ٤٤]، " يعني: أفلا يكون لكم عقول تدركون بها خطأكم، وضلالكم.؟ ! " (٥).
قال ابن عباس: "يقول: أفلا تفهمون؟ فنهاهم عن هذا الخلق القبيح" (٦).
قال الثعلبي: "أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم" (٧).
قال البيضاوي: {أفلا تعقلون} " قبحَ صنيعكم، فيصدكم عنه، أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته" (٨).
قال الزمخشري: "توبيخ عظيم بمعنى: أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن العقول تأباه وتدفعه. ونحوه {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: ٦٧] " (٩).
روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله: {أفلا تعقلون}، : قال: "أفلا تتفكرون" (١٠).
قال ابن عطية: " والعقل: الإدراك المانع من الخطأ مأخوذ منه عقال البعير، أي يمنعه من التصرف، ومنه المعقل أي موضع الامتناع" (١١).
قال ابن عثيمين: " و "العقل" هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك الذي يناط به التكليف؛ لأن العقل نوعان: عقل هو مناط التكليف. وهو إدراك الأشياء، وفهمها.؛ وهو الذي يتكلم عليه الفقهاء في العبادات، والمعاملات، وغيرها؛ وعقل الرشد. وهو أن يحسن الإنسان التصرف.؛ وسمي إحسان التصرف عقلاً؛ لأن الإنسان عَقَل تصرفه فيما ينفعه" (١٢).
قال الراغب: " وقد اتبع الله ذمهم بحكمين حقق غيهم أحدهما، قوله: {وانتم تتلون) أي: تتدبرون التوراة، والثاني: قوله: (أفلا تعلقون) - تنبيهاً - أن الجامع للعقل ومتبع الكتاب ليس من حقه أن يأمر الغير بما لا يفعله، فذلك منبئ عن الجهل" (١٣).
والعَقْل: "يقال للقوّة المتهيّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة عَقْلٌ. وإلى الأوّل أشار صلّى الله عليه وسلم بقوله: «ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل» (١٤)، وإلى الثاني أشار بقوله: «ما
(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٨.
(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.
(٣) أنظر: تفسير الطبري (٨٤٧): ص ٢/ ٩ - ١٠. ولفظه: " تدرسون الكتاب بذلك. ويعني بالكتاب: التوراة".
(٤) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.
(٥) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٨.
(٦) أخرجه الطبري (٨٤٨): ص ٢/ ١٠.
(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٨. وانظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧. نقل كلام الثعلبي.
(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٧.
(٩) الكشاف: ١/ ١٣٣.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٤): ص ١/ ١٠١.
(١١) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٧.
(١٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٨.
(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٦.
(١٤) الحديث عن أبي هريرة عن النبي قال: «إنّ الله لما خلق العقل قال له: أقبل: فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي».
قال ابن تيمية: إنه كذب موضوع باتفاق، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو نعيم بإسنادين ضعيفين. انظر: الإحياء مع تخريجه ١/ ٨٣، وحلية الأولياء ٧/ ٣١٨، وكشف الخفاء ١/ ٢٣٦.