كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرّدّه عن ردى» (١)، وهذا العقل هو المعنيّ بقوله: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣]، وكلّ موضع ذمّ الله فيه الكفّار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأوّل، نحو: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} [البقرة: ١٧١]، إلى قوله:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ}[البقرة: ١٧١]، ونحو ذلك من الآيات، وكلّ موضع رفع فيه التّكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأوّل. وأصل العَقْل: الإمساك والاستمساك" (٢).
والعقل أصله: المنع (٣)، وعقل الإنسان هو "تمييزه الذي به فارق جميع الحيوان، سمي عقلاً لأنه يعقله أي يمنعه عن التورط في الهلكة، كما يعقل العقال البعير عن ركوب رأسه، ومن هذا سميت الدية عقلاً لأنها إذا وصلت إلى ولي المقتول عقلته عن قتل الجاني، أي منعته" (٤).
وقال السعدي: " وهذه الآية، وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل، فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة" (٥).
وقد روى أحمد وغيره عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب " (٦).
قال القرطبي: فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ذلك؛ لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ينتفع بعلمه ; قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه " (٧) "(٨).
الفوائد:
١ من فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يأمرون بالبر، وينسون أنفسهم؛ لأن ذلك منافٍ للعقل؛ وقد ورد الوعيد الشديد على من كان هذا دأبه؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أنه يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتابه". و"الأقتاب" هي الأمعاء. "فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه"(٩)؛ فهو من أشد الناس عذاباً. والعياذ بالله ..
فإن قال قائل: بناءً على أنه مخالف للعقل، وبناءً على شدة عقوبته أنقول لمن لا يفعل ما أَمَر به، ومن لا يترك ما نهى عنه:"لا تأمر، ولا تنهَ"؟
(١) الحديث عن عمر قال: قال رسول الله: «ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويردّه عن ردى، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله» ا. هـ. قال العراقي: أخرجه ابن المحبّر في العقل، وعنه الحارث بن أبي أسامة. انظر: الإحياء ١/ ٨٣. قلت: داود بن المحبّر كذّاب، وقال ابن حجر: وأكثر (كتاب العقل) الذي صنّفه موضوعات. مات سنة ٢٠٦ هـ. انظر: تقريب التهذيب ص ٢٠٠. (٢) المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: ٥٧٧ - ٥٧٨. (٣) أنظر: مقاييس اللغة: ٤/ ٦٩. (٤) التفسير البسيط: ٢/ ٤٥٠، وانظر: "تهذيب اللغة" (عقل) ١/ ٢٥٢٤، وانظر: "اللسان" (عقل) ٥/ ٣٠٤٧. (٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٧٦. (٦) رواه احمد وأبو يعلى بسند صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: (١/ ٥٨٥) برقم (٢٩١) (٧) أخرجه ابن ماجه في سننه (قال الألباني في الضعيفة (٤/ ١٣٨ برقم ١٦٣٤): ضعيف الإسناد جدا.) (٨) تفسير القرطبي: ١/ ٣٦٦. (٩) أخرجه البخاري ص ٢٦٤، كتاب بدء الخلق، باب ١٠: صفة النار وأنها مخلوقة، حديث رقم ٣٢٦٧؛ وأخرجه مسلم ص ١١٩٥، كتاب الزهد والرقائق، باب ٧: من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، حديث رقم ٧٤٨٣ [٥١] ٢٩٨٩.