للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: ١٨]، وقال في صفة الملائكة: {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: ١٦]، فبررة خص بها الملائكة في القرآن من حيث إنه أبلغ من أبرار، فإنه جمع بر، وأبرار جمع بار، وبر أبلغ من بار، كما أن عدلا أبلغ من عادل (١).

والثالث: (البُرّ) – بالضم – الحب المعروف في الغذاء (القمح) لأنه أوسع ما يحتاج إليه في الغذا، والبرير خص بثمر الأراك ونحوه، وقولهم: لا يعرف الهر من البر (انظر مجمع الأمثال ٢/ ٢٦٩)، من هذا. وقيل: هما حكايتا الصوت. والصحيح أن معناه لا يعرف من يبره ومن يسيء إليه.

والرابع: (البَرُّ) – بالفتح – من أسماء الله تعالى، أي فاعل البر وهو المحسن، والبر الذي بصدد الحديث عنه هنا هو البِرّ: بكسر الباء – مصدر مأخوذ من (ب رر) وهو في الأصل اسم لما يحصل به للمبرور النفع كما يطلق البر على الصلاح، الخير، الإحسان، الصدق الطاعة، الصلة، التقوى، الجنة، صلة الأرحام، حسن الخلق.

وقد ذكر أهل التفسير أن (البر) في القرآن على ثلاثة أوجه:

أحدها: البر: الصلة قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: ٨].

والثاني: (البر): الطاعة قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: ٢].

والثالث: (البر): التقوى قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: ٤٤]

ومما جاء في بيان أوجه البر في السنة قوله صلى الله عليه وسلم:

- "البر: حسن الخلق" (٢).

- "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (٣) أي الذي لا يخالطه شيء من المآثم.

-"البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب" (٤).

وبهذا نعلم أن (البر) في اللغة يطلق على كل اسم جامع للخير.

وقد اختلف العلماء في تعريف البر الاصطلاحي اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد فمنهم من قال: البر: الصلاح، ومنهم من قال: البر: الخير، ومنهم من قال: البر: خير الدنيا والآخرة، ومنهم من قال: البر: سعة الإحسان والخير الكامل، لكن أجمع تعريف له من قال البر كلمة جامعة لكل أصناف الخير، فالبر في الاصطلاح: هو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من صالح الأعمال وفاضل الأخلاق (٥).

قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: ٤٤]، أي وأنتم: "تقرؤون التوراة" (٦).

قال الواحدي: " أي: تقرؤون التوراة، وفيها صفة محمد -صلى الله عليه وسلم- ونعته" (٧).

قال البيضاوي: " أي تتلون التوراة، وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل (٨).


(١) انظر: الإتقان للسيوطي ١/ ٢٥٣؛ والبرهان للزركشي ٤/ ١٨.
(٢) أخرجه مسلم في البر والصلة باب تفسير البر والإثم، رقم ٢٥٥٣.
(٣) أخرجه البخاري في أبواب العمرة باب وجوب العمرة وفضلها، ٢/ ٦٢٩، رقم ١٦٨٣، ومسلم في الحج، باب في فضل الحج والعمرة، ٢/ ٩٨٣ رقم ١٣٤٩.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/ ٢٦٩، والدارمي في سننه ٢/ ٦٩٦.
(٥) انظر: البر في القرآن وأثره في حياة المكلفين، ادريس حامد محمد علي، مجلة جامعة الملك سعود، م ١٧، العلوم التربوية والدراسات الإسلامية (٢)، ص: ٩٩٧ - ١٠٥٢.
(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٨.
(٧) التفسير الوسيط: ٢/ ٤٤٩.
(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>