أَلا كُلُّ شَيْء مَا خَلا الله بَاطِلُ ... وكل نعيم لا محالة زائل
قوله تعالى:{وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ}[البقرة: ٤٢]، أي:"ولا تكتموا الحق الذي تعرفونه"(١).
قال ابن كثير:" أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به"(٢).
قال المراغي:" فالنهى الأوّل عن التغيير، والنهى الثاني عن الكتمان وقد أبانت الآية طريقهم في الغواية والإغواء (٣).
وقيل: " ويجوز صرف الخطاب إلى المسلمين وإلى كل صنف منهم، وبيانه أن يقال: أيها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجوز، ويا أيها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة، وهكذا كل فريق" (٤).
قلت: هذا الوجه وإن كان معناه صحيحاً، إلا أنه بعيد عن ظاهر القرآن، وفيه تكلف لسنا بحاجة إليه، والله أعلم.
وقوله {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ}[البقرة: ٤٢]، فيه وجهان من التفسير (٥):
أحدهما: يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق، كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل، فيكون معنى الآية حينئذ: ولا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق.
وهذا مذهب ابن عباس-رضي الله عنه- (٦).
والثاني: أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق بالباطل، ويكون قوله: " وتكتموا الحق " خبرًا منه عنهم بكتمانهم الحق الذي يعلمونه، ونظيرُ ذلك في المعنى والإعراب قول الشاعر (٧):
(١) تفسير المراغي: ١/ ٩٧. (٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١/٢٤٥. (٣) تفسير المراغي: ١/ ٩٧ - ٩٨. ثم قال: " فقد جاء في كتبهم: (١) التحذير من أنبياء كذبة يبعثون فيهم، وتكون لهم عجائب وأفاعيل تدهش الألباب. (٢) أن الله يبعث فيهم نبيا من ولد إسماعيل يقيم به أمة، وأنه يكون من ولد الجارية (هاجر) وبين علامات واضحة له لا لبس فيها ولا اشتباه. فأخذ الأحبار والرهبان يلبسون على العامة الحق بالباطل، ويوهمونهم أن النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الأنبياء الذين وصفوا في التوراة بالكذب، ويكتمون ما يعرفونه من أوصاف لا تنطبق إلا عليه، وما يعرفونه من نعوت الأنبياء الصادقين وسبيل دعوتهم إلى الله، إلى أنهم كانوا يصدونهم عن السبيل القويم بعدم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم بزيادات يستحدثونها، وتقاليد يبتدعونها بضروب من التأويل والاستنباط من كلام بعض سلفهم وأفعالهم ويحكّمونها في الدين ويحتجون بأن الأقدمين كانوا أعلم بكلام الأنبياء وأشد اتباعا لهم، فعلى من بعدهم أن يأخذ بكلامهم دون كلام الأنبياء الذي يصعب علينا فهمه بزعمهم، لكن هذه المعذرة لم يتقبلها الله منهم، ونسب إليهم اللبس والكتمان للحق الذي في التوراة إلى يومنا هذا، كما لم يتقبل ممن بعدهم من العلماء في أي شريعة ودين أن يتركوا كتابه ويتبعوا كلام العلماء بتلك الحجة عينها، فكل ما يعلم من كتاب الله يجب علينا أن نعمل به، وما لا يعلم يسأل عنه أهل الذكر، ومتى فهمناه وعلمناه عملنا به". (٤) تفسير المراغي: ١/ ٩٨. نقله في التيسير. (٥) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٦٩ - ٥٧٠. (٦) انظر: تفسير الطبري (٨٢٧)، و (٨٢٨): ص ١/ ٥٦٩ - ٥٧٠. (٧) هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة ٣: ٦١٧. نسبه سيبويه ١: ٤٢٤ للأخطل، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي، ونسب لسابق البربري، وللطرماح، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (٣: ٦١٨)، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة ١٣٧٣ هـ (١٩٥٤ م)، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها.