قال ابن عثيمين: " أي لا تمزجوا بينهما حتى يشتبه الحق بالباطل؛ فهم كانوا يأتون بشبهات تُشَبِّه على الناس؛ فيقولون مثلاً: محمد حق، لكنه رسول الأميين لا جميع الناس" (١).
وفي قوله: {الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: ٤٢]، ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تخلطوا الصدق بالكذب، وهو قول ابن عباس (٢).
والثاني: اليهودية والنصرانية بالإسلام، وهو قول مجاهد (٣).
والثالث: الحقُّ: التوراةُ التي أُنْزِلَتْ على موسى، والباطلُ: الذي كتبوه بأيديهم. وهو قول ابن زيد (٤).
و(اللبس): هو الخلط، لبست عليه الأمر ألبسه، إذا مزجت بينه بمشكله وحقه بباطله قال الله تعالى {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: ٩] (٥)، ومنه ومنه قول العجاج (٦):
لَمَّا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي ... غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي
فقوله (لبسن) أي: خلطْن.
ومن ذلك قول الخنساء (٧):
ترى الجليس يقول الحق تحسبه ... رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا
صدق مقالته واحذر عداوته ... والبس عليه أمورا مثل ما لبسا
وأما (اللُّبس) -بضم اللام- فإنه يقال منه: لبِسْته ألبَسُه لُبْسًا ومَلْبَسًا، وذلك الكسوةُ يكتسيها فيلبسها، ومنه قول الأخطل (٨):
لَقَدْ لَبِسْتُ لِهَذَا الدَّهْرِ أَعْصُرَهُ ... حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ واشْتَعَلا
وتجدر الإشارة بأن كلمة (اللباس) جاءت في القرآن على ثلاثة أوجه هي:
الأول: اللباس المعروف، ومنه قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: ٢٦]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: ٢٣]، وفي موضع آخر: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: ٣٣]، وقوله تعالى: {يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ} [الدخان: ٥٣]، {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: ٣١].
والثاني: السكن: ومنه قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٧]، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} [النبأ: ١٠].
والثالث: العمل الصالح: ومنه قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: ٢٦].
و(الباطل) في كلام العرب: خلاف الحق (٩)، ومعناه الزائل، قال لبيد (١٠):
(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٢.
(٢) أنظر: تفسير الطبري (٨٢٣): ص ١/ ٥٦٨.
(٣) أنظر: تفسير الطبري (٨٢٥): ص ١/ ٥٦٨.
(٤) أنظر: تفسير الطبري (٨٢٦): ص ١/ ٥٦٨.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٦٧، وتفسير ابن القرطبي: ١/ ٣٤٠.
(٦) ديوانه: ٦٥. غني عن الشيء واستغنى: اطرحه ورمى به من عينه ولم يلتفت إليه.
(٧) البيتين ذكرهما القرطبي في تفسيره: ١/ ٣٤٠.
(٨) ديوانه: ١٤٢، وفيه " وقد لبست ". وأعصر جمع عصر: وهو الدهر والزمان. وعني هنا اختلاف الأيام حلوها ومرها، فجمع. ولبس له أعصره: عاش وقاسى خيره وشره. وتجلل الشيب رأسه: علاه.
(٩) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٤١.
(١٠) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٢٥٦؛ وجواهر الأدب ص ٣٨٢؛ وخزانة الأدب ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٧؛ والدرر ١/ ٧١؛ وديوان المعاني ١/ ١٨؛ وسمط اللآلي ص ٢٥٣؛ وشرح التصريح ١/ ٢٩؛ وشرح شواهد المغني ١/ ١٥٠، ١٥٣، ١٥٤، ٣٩٢؛ وشرح المفصل ٢/ ٧٨؛ والعقد الفريد ٥/ ٢٧٣؛ ولسان العرب ٥/ ٣٥١ "رجز"؛ والمقاصد النحوية ١/ ٥، ٧، ٢٩١؛ ومغني اللبيب ١/ ١٣٣؛ وهمع الهوامع ١/ ٣؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص ٢١١؛ وأوضح المسالك ٢/ ٢٨٩؛ والدرر ٣/ ١٦٦؛ ورصف المباني ص ٢٦٩؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٣١؛ وشرح عمدة الحافظ ص ٢٦٣؛ وشرح قطر الندى ص ٢٤٨؛ واللمع ص ١٥٤؛ وهمع الهوامع ١/ ٢٦٦. قوله: لا محالة: لا بد. زائل: فان.
يقول: كل شيء في هذا الوجود ماض إلى زوال إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام. وللنحويين في هذا البيت شاهدان أولهما قوله: "ما خلا الله" حيث ورد بنصب لفظ الجلالة بعد "خلا" فدل ذلك على أن الاسم الواقع بعد "ما خلا" يكون منصوبا، وذلك لأن "ما" هذه مصدرية، وما المصدرية لا يكون بعدها إلا فعل، ولذلك يجب نصب ما بعدها على أنه مفعول به، وإنما يجوز جره إذا كانت حرفا، وهي لا تكون حرفا متى سبقها الحرف المصدري. وثانيهما توسط المستثنى بين جزأي الكلام في قوله: "ألا كل شيء ما خلا الله باطل" يريد: ألا كل شيء باطل ما خلا الله. [(تنظر: شرح الأشموني لألفية ابن مالك: ١/ ٢٦).
Bottom of Form