للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رسولهم قد أنزل عليه الكتاب من الله عز وجل ثم ينفون ذلك، هذا يعتبر من اللعب، وقال تعالى في اليهود: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: ٨٥]. يعني: تؤمنون بما اشتهته الأنفس وأما ما لم تقدروا عليه أو تشتهيه الأنفس فحينئذٍ يكفر به، وقال تعالى: {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [النساء: ٤٦]. تحريف الكلم يعتبر من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: ٧١]. لبس الحق بالباطل وكتمان الحق يعتبر من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، وقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ} [التوبة: ٣١]. يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، وقال في النصارى أنهم قالوا: {إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}، {إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة: ٧٣] المسيحُ ابن الله أو المسيحَ ابن الله، نقول: هذا كله يعتبر من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، لأنه تبديل وتحريف عما أنزله الله عز وجل، وكذلك الابتداع وعده دينًا {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: ٢٧]، كذلك مشركو قريش قالوا: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: ٢]. إذًا اللعب كذلك من شأن قريش، وقال جل وعلا: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} [الدخان: ٩]. وقال مهددًا لهم: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}. إذًا كل من أعرض عن الدين وتلبس بغيره فهو ممن اتخذ دينه لهوًا ولعبًا، {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ} هذا يعتبر وعيد من الله تعالى بمن اتخذ آياته ودينه هزوًا قال تعالى: {وَلا تَتَّخِذُوَا آيَاتِ اللهِ هُزُواً} [البقرة: ٢٣١]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم» (١). وقال عليه الصلاة والسلام: «ما بال أقوام يَلْعَبُون بحدود الله» (٢).

إذًا امتثال ما أراده الله عز وجل من البشر يُعتبر من أخذ الدين بقوة {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: ١٢]، ولذلك قال المفسرون في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ} [الأعراف: ١٧٠]. قال: {يُمَسَّكُونَ}. بصيغة التفعيل ولم يقل يُمْسِكُونَ، لأن الذي يأتي بالدين على وجهه يعتبر مستمسكًا أبلغ استمساك بالدين، إذًا {أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا}.

٥ - إن المتتبع لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية يجد من الآيات والأحاديث ما تدل دلالة قطعية على غش الكفار للمسلمين وعداوتهم لهم وخيانتهم لقضاياهم، وتمنيهم السوء للمسلمين ومسرتهم بذلك، وعداوتهم لله ورسوله، فمن والاهم وأعزهم وولاهم أمور المسلمين، فقد خالف ما أمر الله عز وجل بحقهم من وجوب الغلظة والشدة عليهم، ومن اعتقد فيهم النصح والإخلاص فقد كذب بما أخبر الله به عنهم من خيانة وغش وإرادة السوء بالمسلمين.

واما الاستعانة بالكفار في الحرب فقد اختلف العلماء في هذه مسألة على قولين:

القول الأول: هو قول من قال بعدم جواز الاستعانة بالكفار في الحرب وهو مذهب المالكية (٣). وبه قال الإمام أحمد -رحمه الله- (٤) وقد استدل المانعون بعدد من الآيات والأحاديث هي كما يلي (٥):

١ - قول الله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: ٢٨]. قيل: إنها نزلت في عبادة ابن الصامت -رضي الله عنه- فقد كان له حلفاء من اليهود فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب قال: له عبادة، يا


(١) السنن الكبرى (٥٥٦٤): ص ٥/ ٢٥٢، وسنن النسائي (٣٤٠١): ص ٦/ ١٤٢، إسناده منقطع، ورجال إسناده ثقات، ولكن مخرمة لم يسمع من أبيه كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في " التهذيب ". وحكم الالباني: ضعيف. المشكاة (٣٢٩٢).
(٢) أخرجه ابن ماجة (٢٠١٧): ص ١/ ٦٥٠، والبزار في "مسنده" (٣١١٧)، والروياني في "مسنده" (٤٥٢)، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٥٣٩، وابن حبان (٤٢٦٥)، والبيهقي ٧/ ٣٢٢.
إسناده حسن. مؤمل بن إسماعيل اختلف فيه. فقيل ثقة. وقيل كثير الخطأ. وقيل منكر الحديث. وحكم الالباني: ضعيف.
(٣) انظر روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن/ محمد علي الصابوني ج ١ ص ٤٠٢ - وانظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج ٢ ص ٧.
(٤) انظر الأحكام السلطانية/ للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص ٣٩، ٢٢٥.
(٥) انظر: الوالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية، محماس الجلعود: ٢/ ٨١٣ - ٨٢١.

<<  <  ج: ص:  >  >>