للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال أبو حيان: " لما نهي المؤمنون عن اتخاذهم أولياء، أمرهم بتقوى الله، فإنها هي الحاملة على امتثال الأوامر واجتناب النواهي. أي: اتقوا الله في موالاة الكفار، ثم نبه على الوصف الحامل على التقوى وهو الإيمان أي: من كان مؤمنا حقا يأبى موالاة أعداء الدين" (١).

قال السعدي: أي: كذلك أن"التزامهم لتقوى الله التي هي امتثال أوامره واجتناب زواجره مما تدعوهم إلى معاداتهم" (٢).

الفوائد:

١ - حرمة اتخاذ اليهود والنصارى والمشركين أولياء لا سيما أهل الظلم منهم، إذ ينفر الله تعالى المؤمنين من موالاة أعداء الإسلام، من أهل الكتاب ومن المشركين، الذين يتخذون شرائع الإسلام المطهرة، هزوا يستهزئون بها، ويعدونها نوعا من اللعب، ويتمنون زوال الإسلام وأهله، ويأمر الله المؤمنين بتقواه، وبألا يتخذوا هؤلاء الأعداء أولياء إن كانوا مؤمنين بشرع الله حقا وصدقا (٣).

وهؤلاء الأعداء يسخرون من الأذان، ومن الصلاة، ومن العبادة، ويتخذونها هزوا ولعبا وسخرية، لأنهم قوم لا يعقلون معنى العبادة، ولا معنى شرع الله، والصلاة أكرم شيء وأفضله لمن يعقل ويعلم

٢ - سوء أخلاق اليهود وفساد عقولهم.

٣ - مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم، لأن موالاتهم تنافي الإيمان.

٤ - جاء في شرح المسائل للسعيدي: وقد اختلف المفسرون في معنى اتخاذ الكفار دينهم لهوًا ولعبًا على أقوال منها (٤):

أولاً: أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو الإسلام لعبًا ولهوًا حيث سخروا به واستهزؤوا به، إذًا المراد بكونهم جعلوا دينهم لهوًا ولعبًا سخروا بالإسلام واستهزؤوا به، فإذا دعاهم الداعي إلى الإسلام سخروا به وهزءوا به، وهذا موجود في كل زمان ومكان، وهذا كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُوا اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} [المائدة: ٥٧، ٥٨].

ثانيًا: أنهم اتخذوا ما هو لهوٌ ولعبٌ من عبادة الأصنام وغيرها دينًا لهم وتركوا دين الحق وهو الإسلام.

والأول أقرب من هذا لكنه هذا غير مستبعد، بمعنى أن اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا أن يعبد الأصنام، ولذلك قد يتخذوا الصنم من تمر وعجين ثم إذا جاع أكله، هذا لَعِب كيف أنت تعبده من دون الله عز وجل وتستغيث به وتستفتح به الأمور ويكشف لك الضر ويجلب لك النفع ويدفع عنك الضر ثم بعد ذلك تأكله؟ هذا لعب ولهو.

ثالثًا: أن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني وما تزينه لهم شياطينهم ونفوسهم من تحليل حرام، أو تحريم حلال، أو تعبد بما لم يشرعه الله، وهذا له أمثلة كثيرة وذكرها في الشرح هناك.

رابعًا: وهو أن المراد به الإشارة إلى من يتوصل بدينه إلى دنياه، يعني: يجعل الدين وسيلة إلى تحصيل الدنيا، وهذا اختلاف تنوع لا تضاد وتشترك في أمر واحد وهو: عدم الاهتمام بأمر الدين، كلها أقوال للمفسرين وكلها داخلة فيما ذكروا، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: ٩١]. {قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} هذا لعب،


(١) بحر المحيط: ٤/ ٣٠٣.
(٢) تفسير السعدي: ٢٣٦.
(٣) انظر: أيسر التفاسير لأسعد حومد: ص: ٧٢٧، بترقيم الشاملة آليا.
(٤) انظر: شرح مسائل الجاهلية للحازمي: ٦/ ٢١ - ٢٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>