قال الزجاج: " وإقامتها تمامها بجميع فرضها، وأول فروضها صحة الإيمان بها وهذا
كقولك: فلان قائم بعلمه الذي وليه، تأويله إنه يوفي العمل حقوقه، ومعنى: {يقيمون} من قولك هذا قوام الأمر" (١).
قوله تعالى: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: ٥٥]، أي: " وهم خاضعون لله" (٢).
قال السعدي: " أي: خاضعون لله ذليلون" (٣).
قال الزمخشري: "الواو فيه للحال، أى: يعملون ذلك في حال الركوع، وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذا صلوا وإذا زكوا" (٤).
قال ابو السعود: " حال مع فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى" (٥).
والمراد بالركوع هاهنا التواضع والخضوع، ومن قول الشاعر (٦):
لا تُهينَ الفقير علَّك أَنْ ... تركع يوما والدهرُ قد رفعَهْ
فقوله: "تركع"، أي: تخضع وتنقاد، والمراد انحطاط الحال.
قال ابن كثير: " توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب: أن هذه الآية نزلت فيه: ذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه" (٧).
الفوائد:
١ - أن المؤمنين أولياء الله، يتولون أمره ويقيمون دينه، والله تعالى وليهم، يتولاهم بالمعونة والتسديد والحفظ والتوفيق، والميزان لهذه الولاية قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}، [يونس: ٦٢ - ٦٣].
وبذلك فغن الولاية تنقسم إلى:
- ولاية من الله للعبد: ومنه قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا}، [البقرة: من الآية ٢٥٧].
- ولاية من العبد لله، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}، [المائدة: من الآية ٥٦].
والولاية التي من الله للعبد تنقسم إلى عامة وخاصة:
- فالولاية العامة: هي الولاية على العباد بالتدبير والتصريف، وهذه تشمل المؤمن والكافر وجميع الخلق; فالله هو الذي يتولى عباده بالتدبير والتصريف والسلطان وغير ذلك، ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}، [الأنعام: ٦٢].
- والولاية الخاصة: أن يتولى الله العبد بعنايته وتوفيقه وهدايته، وهذه خاصة بالمؤمنين، قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}، [البقرة: من الآية ٢٥٧]، وقال تعالى: {أَلا
(١) نعاني القرآن: ٢/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٢) التفسير الميسر: ١١٧.
(٣) تفسير السعدي: ٢٣٦.
(٤) الكشاف: ١/ ٦٤٩.
(٥) تفسير أبي السعود: ٣/ ٥٢.
(٦) لقائل هو: الأضبط بن قريع السعدي، من عوف بن كعب، من رهط الزبرقان بن بدر، ورهط أنف الناقة، جاهلي قديم؛ له أخبار مع قومه مذكورة، في كتب الأدب.
الخزانة: ١١/ ٤٥٥ - الشعر والشعراء: ١/ ٣٨٢.
(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٧.