عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم. ونحوه قوله عز وجل: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: ٢٩] " (١).
وقرئ: «أذلة»، «وأعزة»، بالنصب على الحال (٢).
قوله تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: ٥٤]، أي: " يجاهدون لإِعلاء كلمة الله ولا يبالون بمن لامهم، فهم صلاب في دين الله لا يخافون في ذات الله أحداً" (٣).
قال مجاهد: " يسارعون في الحرب" (٤).
قال السمعاني: " يعني: لا يخافون في الله لوم الناس" (٥).
قال ابن كثير: " أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل (٦).
قال الزمخشري: " يحتمل أن تكون الواو للحال، على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود- لعنت- فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم. وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط. وأن تكون للعطف، على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل الله، وأنهم صلاب في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين إنكار منكر أو أمر بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم، يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم. واللومة: المرة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللوام" (٧).
قال القرطبي: قوله {ولا يخافون لومة لائم}، أي: بخلاف المنافقين يخافون الدوائر، فدل بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاتلوا المرتدين بعده، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي لله تعالى. وقيل: الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة" (٨).
قال أبو ذر: " أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع، أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش" (٩).
وفي رواية اخرى عن ابي ذر أيضا: " بايعني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خمسا وواثقني سبعًا، وأشهد الله على تسعًا، أني لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟ " قلت: نعم، قال: وبسطت يدي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشترط: على ألا تسأل الناس شيئا؟ قلت: نعم قال: "ولا سوطك وإن سقط منك يعني: تنزل إليه فتأخذه" (١٠).
(١) الكشاف: ١/ ٦٤٨.
(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤٨.
(٣) صفوة التفاسير: ٣٢٣.
(٤) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٤٤): ص ٤/ ١١٦١.
(٥) تفسير السمعاني: ٢/ ٤٧.
(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٦.
(٧) الكشاف: ١/ ٦٤٨.
(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٩) المسند (٥/ ١٥٩).
(١٠) المسند (٥/ ١٧٢).