قال الإمام الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما رُوي به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم أهل اليمن، قوم أبي موسى الأشعري. ولولا الخبر الذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر الذي روي عنه، ما كان القول عندي في ذلك إلا قول من قال: هم أبو بكر وأصحابه، وذلك أنه لم يقاتل قومًا كانوا أظهروا الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتدوا على أعقابهم كفارًا، غير أبي بكر ومن كان معه ممن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكنا تركنا القول في ذلك للخبر الذي رُوي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنْ كان صلى الله عليه وسلم مَعْدِن البيان عن تأويل ما أنزل الله من وحيه وآيِ كتابه" (١).
قال الراغب: " وقيل: هى فيمن ارتد في زمن أبي بكر - رضي الله عنه -، وقيل: فيمن كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأظهر أنه فيهم وفي غيرهم، وأنه وعد تعالى أنه يحفظ دينهم بقوم رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويتحرى مرضاتهم ويتحروا مرضاته، وذلك كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: ٣٨ - ٣٩] " (٢).
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «يرتد»، بإدغام الدال الأولى في الأخرى، وقرأ نافع، وابن عامر: «يرتدد»، بدالين (٣).
قال الزجاج: وأما: «من يرتدد» فهو الأصل، لأن التضعيف إذا سكن الثاني من المضعفين ظهر التضعيف، نحو قوله: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} [آل عمران: ١٤٠]، ولو قرئت: إن يمسكم قرح، كان صوابا، ولكن لا تقرأن به لمخالفته المصحف، ولأن القراءة سنة" (٤).
قوله تعالى {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: ٥٤]، أي: " أي رحماء متواضعين للمؤمنين أشداء متعززين على الكافرين" (٥).
عن ابن عباس قوله: " {أذلة على المؤمنين}، يعني: بالأذلة الرحمة" (٦).
عن مجاهد: " {أعزة على الكافرين}، أشداء عليهم" (٧).
قال الواحدي: " {أذلة على المؤمنين} كالولد لوالده والعبد لسيِّده، {أعزة على الكافرين} غلاظٍ عليهم كالسَّبع على فريسته" (٨).
قال الراغب: " {أذلة على المؤمنين}، أي: ليني الجانب على المؤمنين" (٩).
قال ابن كثير: " هذه صفات المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: ٢٩]. وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم أنه: "الضحوك القتال" فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه" (١٠).
قال الزمخشري: " أذلة جمع ذليل. وأما ذلول فجمعه ذلل. ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض الصعوبة، فقد غبي عنه أن ذلولا لا يجمع على أذلة. فإن قلت: هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف «كأنه قيل:
(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤١٩.
(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٨٠.
(٣) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٥، وزاد المسير: ١/ ٥٥٩.
(٤) معاني القرآن: ٢/! ٨٢.
(٥) صفوة التفاسير: ٣٢٣.
(٦) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٤١): ص ٤/ ١١٦١.
(٧) اخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٤٣): ص ٤/ ١١٦١.
(٨) الوجيز: ٣٢٤.
(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ٤/ ٣٨٠.
(١٠) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٦.