قال السمرقندي: " يعني: يطلبون منك شيئا لم ينزله الله إليك في حكم الزنى والقصاص كما يفعل أهل الجاهلية" (١).
قال المراغي: " أي: أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله، فيبغون حكم الجاهلية المبنى على التحيز والهوى لجانب دون آخر وترجيح القوى على الضعيف؟ " (٢).
قال البيضاوي: " المراد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى" (٣).
قال السعدي: " أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله. فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى" (٤).
عن مجاهد: قوله: " {أفحكم الجاهلية يبغون}، يهود" (٥).
قال الحسن: " يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية" (٦).
عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "كانت تسمى الجاهلية العالمية حتى جاءت امرأة قالت: يا رسول الله، كان في الجاهلية كذا وكذا، فأنزل الله ذكر الجاهلية" (٧).
وفي تفسير قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: ٥٠]، وجوه (٨):
أحدها: أن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى، وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «القتلى بواء» (٩)، فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك، فنزلت.
والثاني: أن يكون تعبيرا لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحى من الله تعالى.
والثالث: أنه عام في كل من يبغى غير حكم الله، والحكم حكمان: حكم بعلم فهو حكم الله، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان. وهذا قول الحسن (١٠).
وسئل طاوس: عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية (١١).
وقوله: {يبغون}، يقرأ بالياء والتاء، ومعناهما واحد، يعني: أنهم إذا لم يرضوا بحكم الله، وأرادوا خلاف حكم الله، فقد طلبوا حكم الجاهلية (١٢).
وقرأ الحسن، وقتادة والأعمش، والأعرج: «أفحكم الجاهلية»، بمعنى: الحاكم (١٣).
قال الزمخشري: " على أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران، أو نظيره من حكام الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما كأولئك الحكام" (١٤).
(١) بحر العلوم: ١/ ٣٩٧.
(٢) تفسير المراغي: ١/ ١٢٣.
(٣) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٠.
(٤) تفسير السعدي: ٢٣٤.
(٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠٣): ص ٤/ ١١٥٥.
(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠٤): ص ٤/ ١١٥٥.
(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠٢): ص ٤/ ١١٥٤ - ١١٥٥.
(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤١.
(٩) ذكره الزمخشري في الكشاف: ١/ ٦٤١، لم أجده هكذا، وفي ابن أبى شيبة من طريق الشعبي قال: كان بين حيين من العرب قتال- فذكر قصة فيها: فارتفعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «القتلى بواء» أى سواء .. انظر: تخريج أحاديث الكشاف: ١/ ٣٩٧
(١٠) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤١.
(١١) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤١.
(١٢) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٤، وتفسير السمعاني: ٢/ ٤٤.
(١٣) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٤٤.
(١٤) الكشاف: ١/ ٦٤١ - ٦٤٢.