للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقرأ السلمى: «أفحكم الجاهلية يبغون»، برفع «الحكم»، على الابتداء (١).

قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: ٥٠]، أي: " ومَن أعدل مِن الله في حكمه لمن عقل عن الله شَرْعه، وآمن به، وأيقن أن حكم الله هو الحق؟ " (٢).

قال مقاتل: " يقول: فلا أحد أحسن من الله حكما، «لقوم يوقنون» " (٣).

قال السمرقندي: أي: " ومن أعدل من الله قضاء، لقوم يوقنون يعني: يصدقون بالقرآن" (٤).

قال الزمخشري: " فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه" (٥).

قال القرطبي: " هذا استفهام على جهة الإنكار بمعنى: لا أحد أحسن، {لقوم يوقنون}، أي: عند قوم يوقنون" (٦).

قال البيضاوي: " {لقوم يوقنون}: هم الذين يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكما من الله سبحانه وتعالى" (٧).

قال المراغي: " أي: لا أحد أحسن حكما من حكم الله لقوم يوقنون بدينه ويذعنون لشرعه، لأنه حكم جامع بين منتهى العدل والحق من الحاكم، والقبول والإذعان من المحكوم له والمحكوم عليه، وبهذا يحصل التفاضل بين الشرائع الإلهية والقوانين البشرية.

والخلاصة- إن مما ينبغى التعجب منه من أحوالهم أنهم يطلبون حكم الجاهلية الجائر، ويؤثرونه على حكم الله العادل، وفى الأول تفضيل القوى على الضعيف واستذلاله واستئصال شأفته، وفى الثاني العدل الذي يستقيم به أمر الخلق، وبه يستتب الأمن والرضا والطمأنينة بين الناس ويشعر كل منهم بالهدوء وراحة الضمير" (٨).

قال الآلوسي: " إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله تعالى إليك فيبغون حكم الجاهلية، وقيل: محل الهمزة بعد الفاء، وقدمت أن لها الصدارة، وتقديم المفعول للتخصيص المفيد لتأكيد الإنكار والتعجب لأن التولي عن حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وطلب حكم آخر منكر عجيب، وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب، والمراد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، أو الأمة الجاهلية، وحكمهم: ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى، وقيل: الكلام على حذف مضاف، أي أهل الجاهلية" (٩).

قال السعدي: " فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز -بإيقانه- ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين -عقلا وشرعا- اتباعه. واليقين، هو العلم التام الموجب للعمل" (١٠).

عن ابن أبي نجيح قال: "كان طاوس إذا سأله رجل أفصل بين ولدين في النحل، قرأ {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} " (١١).

الفوائد:

١ - أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية, إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون (١٢).


(١) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٤، وتفسير السمعاني: ٢/ ٤٤.
(٢) التفسير الميسر: ١١٦.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٠.
(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٩٧.
(٥) الكشاف: ١/ ٦٤١ - ٦٤٢.
(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٦.
(٧) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٠.
(٨) تفسير المراغي: ١/ ١٢٣.
(٩) روح المعاني: ٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤.
(١٠) تفسير السعدي: ٢٣٤.
(١١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٠٥): ص ٤/ ١١٥٥.
(١٢) انظر: الإيمان للقاسم بن سلام: ٩٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>