أراد نفسه: وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال: نفسا كبيرة، ونفسا أى نفس، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض" (١).
قوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: ٤٩]، أي: " وإن كثيرًا من الناس لَخارجون عن طاعة ربهم " (٢).
عن عبدالرحمن زيد بن اسلم: " {لفاسقون}، يقول: الكاذبون" (٣).
قال الزمخشري: أي: " المتمردون في الكفر معتدون فيه، يعنى أن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر" (٤).
قال الواحدي: " يعني: اليهود" (٥).
قال ابن كثير" أي: أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق ناؤون عنه، كما قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: ١٠٣]. وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الآية [الأنعام: ١١٦] " (٦).
قال السعدي: أي: طبيعتهم الفسق والخروج عن طاعة الله واتباع رسوله" (٧).
الفوائد:
١ - التحذير من اتباع أهواء الناس خشية الإضلال عن الحق.
٢ - أكثر المصائب في الدنيا ناتجة عن بعض الذنوب.
٣ - ومن الفوائد: سنة الله في الخلق: أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل؛ لقوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}.
وقد يشعر المؤمن المتقي بغربته في هذا الزمان وهو بين أهله، وبوحدته وهو بين أترابه، ليست غربة اتخذها اختياراً، ولا وحدة اصطفاها لنفسه استئثاراً، وإنما سيق لها اضطراراً، سنة اقتضتها حكمة رب عليم حكيم؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء" (٨).
٤ - أن أن أمر هداية التوفيق والقبول، إلى الله وحده وهو القادر عليه، لقوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}، وأما هداية الدلالة والبيان، فالرسول-صلى الله عليه وسلم- المبين عن الله والدال على دينه وشرعه.
القرآن
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)} [المائدة: ٥٠]
التفسير:
أيريد هؤلاء اليهود أن تحكم بينهم بما تعارف عليه المشركون عبدةُ الأوثان من الضلالات والجهالات؟ ! لا يكون ذلك ولا يليق أبدًا ومَن أعدل مِن الله في حكمه لمن عقل عن الله شَرْعه، وآمن به، وأيقن أن حكم الله هو الحق؟
قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: ٥٠]، أي: " أيريد هؤلاء اليهود أن تحكم بينهم بما تعارف عليه المشركون عبدةُ الأوثان من الضلالات والجهالات؟ ! " (٩).
قال مقاتل: " يعني: حكمهم الأول" (١٠).
(١) الكشاف: ١/ ٦٤١.
(٢) التفسير الميسر: ١١٦.
(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٩٤): ص ٤/ ١١٥٣.
(٤) الكشاف: ١/ ٦٤١.
(٥) الوجيز: ٣٢٣.
(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٠.
(٧) تفسير السعدي: ٢٣٤.
(٨) مسلم (١/ ١٣٠/١٤٥) وابن ماجه (٢/ ١٣١٩ - ١٣٢٠/ ٣٩٨٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٩) التفسير الميسر: ١١٦.
(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٠.