بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها.
وهذا معنى كون القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب كما قال -تعالى-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}.
٤ - أن الله تعالى حفظ القرآن من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل، فبقي كما أنزله الله إلى يوم القيامة، فهو كله حق من عند الله، ولم يحفظ غيره من الكتب فدخلت عليها الزيادة والنقص والتحريف والتبديل ففيها حق وفيها باطل، لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: ٩]، {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه}.
٥ - بيان الحكمة من اختلاف الشرائع، وهو الابتلاء.
القرآن
{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)} [المائدة: ٤٩]
التفسير:
واحكم -أيها الرسول- بين اليهود بما أنزل الله إليك في القرآن، ولا تتبع أهواء الذين يحتكمون إليك، واحذرهم أن يصدُّوك عن بعض ما أنزل الله إليك فتترك العمل به، فإن أعرض هؤلاء عمَّا تحكم به فاعلم أن الله يريد أن يصرفهم عن الهدى بسبب ذنوبٍ اكتسبوها من قبل. وإن كثيرًا من الناس لَخارجون عن طاعة ربهم.
في سبب نزول الآية والتي بعدها وجهان:
أحدهما: عن سعيد بن جبير، أو عكرمة عن ابن عباس-رضي الله عنهما-: " قال كعب بن أسد، وابن صوريا وشأس بن قيس، بعضُهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلّنا نفتنه عن دينه! فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنَّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنَّا إن اتّبعناك اتّبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومِنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} إلى قوله: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (١) " (٢). [ضعيف]
والثاني: عن مجاهد عن ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مخيراً: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم؛ فردهم إلى أحكامهم؛ فنزلت: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ
(١) [سورة المائدة: ٥٠].
(٢) أخرجه ابن إسحاق في "المغازي" (٢/ ١٩٦، ١٩٧ - ابن هشام)، وأخرجه الطبري (١٢١٥٠): ص ١٠/ ٣٩٣، وابن أبي حاتم (٦٤٩٨): ص ٤/ ١١٥٤، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٥٣٦) من طريق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما به. وإسناده حسن.
وقيل: سنده ضعيف؛ لجهالة شيخ ابن إسحاق محمد هذا؛ كما قال الحافظان الذهبي والعسقلاني. [انظر: الاستيعاب في بيان الأسباب: ٢/ ٥٧].
وأخرجه ابن جرير (١٢١٥٦): ص ١٠/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وابن أبي شيبة (فتح القدير: ٢/ ٥٢) عن عطية به. وإسناده صحيح إليه، وهو مقطوع، ويشهد له:
١ - ما أخرجه ابن جرير (١٢١٥٨): ص ١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٧، وابن أبي حاتم (٦٥٠٦): ص ٤/ ١١٥٥، وابن المنذر وأبو الشيخ وابن عساكر كما في فتح القدير: ٢/ ٥٢، والبيهقي في "الدلائل" (٣/ ٧٤) من طريق ابن إسحاق عن أبيه عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت بنحوه، وهو معضل، صحيح الإسناد إلى عبادة بن الوليد.
٢ - ما أخرجه ابن مردويه (فتح القدير: ٢/ ٥٢) من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده بنحوه.