للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: ٤٨]، وجهان:

أحدهما: أنه عنى بذلك أهلَ الملل المختلفة، أي: أن الله جعل لكل مِلّةٍ شريعة ومنهاجًا. وهذا قول علي (١)، وقتادة (٢).

عن قتادة قوله: " {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا}، يقول: سبيلا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل" (٣).

رجحه ابن كثير، وقال: " ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} فلو كان هذا خطابًا لهذه الأمة لما صح أن يقول: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} وهم أمة واحدة، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها. ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرْعة على حدَة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم" (٤).

والثاني: أنه عنى بذلك أمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، أيها الناس، لكُلِّكم أي لكل من دخل في الإسلام وأقرّ بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لي نبيٌّ شرعةً ومنهاجا. وهذا قول مجاهد (٥).

عن مجاهد قوله: " {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا}، قال: سنة، ومنهاجًا، السبيل لكلكم، من دخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجًا. يقول: القرآن، هو له شرعة ومنهاج" (٦).

قال الطبري: " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: لكل أهل ملة منكم، أيها الأمم جعلنا شِرعةً ومنهاجًا.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} ولو كان عنى بقوله: لكل جعلنا منكم، أمة محمد، وهم أمّة واحدةٌ، لم يكن لقوله: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة معنىً مفهوم. ولكن معنى ذلك، على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّي بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه. ثم ذكر نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم، وإن كان دينه ودينهم - في توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به من عنده، والانتهاء إلى أمره ونهيه - واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكم واحد منهم ولأمته فيما أحلّ لهم وحرَّم عليهم" (٧).

وقرأ يحيى بن وثاب: «شرعة» بفتح الشين (٨).


(١) انظر: تفسير الطبري (١٢١٢٧): ص ١٠/ ٣٨٥.
(٢) انظر: تفسير الطبري (١٢١٢٦): ص ١٠/ ٣٨٥.
(٣) أخرجه الطبري (١٢١٢٦): ص ١٠/ ٣٨٥.
(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٩.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١٢١٢٩): ص ١٠/ ٣٨٦.
(٦) أخرجه الطبري (١٢١٢٩): ص ١٠/ ٣٨٦.
(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٨٦.
(٨) انظر: الكشاف: ١/ ٦٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>