أولا: - قال ابن عطية: 'الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ـ عز وجل ـ فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان " (١). وكذا قاله الطبري (٢)، والقرطبي (٣).
وقد روي "عن ابن عباس في قوله: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [سورة البقرة: ٥٩]، أي بما بعُدوا عن أمري" (٤).
قال الشوكاني: عن هذا التعريف: " وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض " (٥).
والثاني: - وقال ابن كثير: والفاسق: هو الخارج عن الطاعة. تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد (٦).
وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" (٧).
والثالث: - وقال البيضاوي: " الفاسق الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة " (٨).
والرابع: - وقال الألوسي: "الفسق شرعًا: خروج العقلاء عن الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادرًا بقرينة " (٩).
ومن خلال التعريفات السابقة: ندرك عموم مصطلح الفسق، فهو في الأصل – أعمّ من الكفر - (١٠) حيث يشمل الكفر وما دونه من المعاصي، ولكن خصّه العرف بمرتكب الكبيرة، ولذا يقول الراغب الأصفهاني: " والفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيراً" (١١).
الفوائد:
١ - أن أن التحاكم إلى شرع الله من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإن التحاكم إلى الطواغيت والرؤساء والعرافين ونحوهم ينافي الإيمان بالله عز وجل، وهو كفر وظلم وفسق.
٢ - الرد على من يقول: إننا نجد في القرآن الكريم آيات تشهد بصدق التوراة -كما هي اليوم- وتشهد بصدق الإنجيل -كما هو اليوم- وتؤكد أن الكتابين لم يصابا بتحريف، ولا تزييف، من مثل قول القرآن {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} [المائدة: ٤٣]، وقوله: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: ٤٧].
قلنا له (١٢):
(١) انظر: اللسان (١٠/ ٣٠٨) ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٥٠٢)، والمصباح المنير للفيومي ص (٥٦٨)، وترتيب القاموس المحيط للزاوي (٤/ ٥٠٢)، ومفردات الراغب ص (٥٧٢).
(٢) تفسير ابن عطية (١/ ١٥٥).
(٢) أنظر: تفسيره: ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.
(٣) تفسير القرطبي (١/ ٢٤٥).
(٤) أخرجه الطبري (٥٧١): ص ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.
(٥) فتح القدير (١/ ٥٧).
(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٩.
(٧) صحيح البخاري برقم (٣٣١٤) وصحيح مسلم برقم (١١٩٨).
(٨) - تفسر البيضاوي (١/ ٤١) وانظر: تفسير أبي السعود (١/ ١٣١).
(٩) تفسير الألوسي (١/ ٢١٠).
(١٠) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٦٣)، ومفردات الراغب ص (٥٧٢)، ونزهة الأعين النواظر لابن الجوزي (٢/ ٧٢)، والكليّات للكفوي ص: (٦٩٣).
(١١) المفردات ص (٥٧٢).
(١٢) انظر: مناظرة بين الإسلام والنصرانية: ٤٠٨ - ٤٠٩.