للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأن يد الله مغلولة، وأن الله فقير وهم أغنياء، ولو أنهم حكموا بالرجم والقصاص والجراحات لكانوا كفارا بالله بتكذيبهم محمدا -صلى الله عليه وسلم- وقولهم على الله الكذب والبهتان" (١).

وقيل: "إن عيسى عليه السلام كان متعبدا بما في التوراة من الأحكام لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة. وظاهر قوله {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} يرد ذلك، وكذلك قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: ٤٨]، وإن ساغ لقائل أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة" (٢).

قال الجصاص: " قوله تعالى: {وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه}: فيه دلالة على أن ما لم ينسخ من شرائع الأنبياء المتقدمين فهو ثابت, على معنى أنه صار شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم لقوله: {وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه} ومعلوم أنه لم يرد أمرهم باتباع ما أنزل الله في الإنجيل إلا على أنهم يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صار شريعة له; لأنهم لو استعملوا ما في الإنجيل مخالفين للنبي صلى الله عليه وسلم غير متبعين له لكانوا كفارا, فثبت بذلك أنهم مأمورون باستعمال أحكام تلك الشريعة على معنى أنها قد صارت شريعة للنبي عليه السلام" (٣).

قرأ الأعمش وحمزة: «وليحكم»، بكسر اللام وفتح الميم، على معنى «كي»، فكأنه قال: وآتيناه الإنجيل لكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه.

قال القرطبي: " ومن قرأه على الأمر فهو كقوله: {وأن احكم بينهم} [المائدة: ٤٩]، فهو إلزام مستأنف يبتدأ به، أي ليحكم أهل الإنجيل أي في ذلك الوقت، فأما الآن فهو منسوخ.

وقيل: هذا أمر للنصارى الآن بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن في الإنجيل وجوب الإيمان به، والنسخ إنما يتصور في الفروع لا في الأصول" (٤).

وقرأ الباقون {وليحكم} بإسكان اللام وجزم الميم، على معنى الأمر، تقديره: وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه (٥).

قال مكي: "والاختيار الجزم، لأن الجماعة عليه، ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله تعالى لأهل الإنجيل" (٦).

قال الطبري: " قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ قارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ" (٧).

وقال النحاس: " والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان، لأن الله تعالى لم ينزل كتابا إلا ليعمل فيما فيه وأمر بالعمل بما فيه فصحتا جميعا" (٨).

قال الزجاج: " و «الإنجيل»، القراءة فيه بكسر الهمزة، ورويت عن الحسن: «الأنجيل»، بفتح الهمزة، وهذه قولة ضعيفة، لأن «أنجيل»، أفعيل، وليس في كلام العرب هذا المثال" (٩).

قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: ٤٧]، أي: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الخارجون عن أمره، العاصون له" (١٠).

قال مقاتل: " ومن لم يحكم بما أنزل الله في الإنجيل من العفو واقتص من القاتل والجارح والضارب، {فأولئك هم الفاسقون} ـ يعنى: العاصين لله- عز وجل-" (١١).


(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٥٨): ص ٤/ ١١٤٨.
(٢) الكشاف: ١/ ٦٣٩.
(٣) أحكام القرآن: ٢/ ٥٥٢.
(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٩.
(٥) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٤، ومعاني القرآن للفراء: ١/ ٣١٢، وزاد المسير: ١/ ٥٥٤.
(٦) نقلا عن: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٩.
(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٧٤.
(٨) إعراب القرآن: ١/ ٢٧٠.
(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٨٠.
(١٠) التفسير الميسر: ١١٦.
(١١) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨١.

<<  <  ج: ص:  >  >>