جللوا عداوتهم بإغراء الحاكم الرومانى بقتله وصلبه، ولكن الله تعالى رفعه إليه ونجاه منهم ومنه (١).
٣ - ومن فوائد الآية: فضيلة التقوى، وأنها من أسباب الاهتداء والاتعاض.
٤ - ومنها: أن المواعظ قسمان:
- كونية: وذلك مثل قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: ٦٦]، فالموعظة هنا كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالاً لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين.
- وشرعية: وأما الشرعية فمثل قوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور} [يونس: ٥٧]؛ والمواعظ الكونية أشد تأثيراً لأصحاب القلوب القاسية؛ أما المواعظ الشرعية فهي أعظم تأثيراً في قلوب العارفين بالله اللينة قلوبهم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالمقدورات (٢).
القرآن
{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)} [المائدة: ٤٧]
التفسير:
وليحكم أهل الإنجيل الذين أُرسِل إليهم عيسى بما أنزل الله فيه. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الخارجون عن أمره، العاصون له.
قوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: ٤٧]، أي: " وليحكم أهل الإنجيل الذين أُرسِل إليهم عيسى بما أنزل الله فيه" (٣).
قال مقاتل: " من الأحبار والرهبان بما أنزل الله فيه يعني في الإنجيل من العفو عن القاتل أو الجارح والضارب" (٤).
قال الخطيب الإسكافي: " قيل لهم في ذلك الزمان وأمروا أن يحكموا به" (٥).
قال الواحدي: " أَيْ: وقلنا لهم: ليحكموا بهذا الكتاب في ذلك الوقت" (٦).
قال الزمخشري: " ومعنى أمره لهم بالحكم أي هكذا يجب عليهم" (٧).
قال ابن كثير: "، أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} الآية [المائدة: ٦٨]، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: ١٥٧] " (٨).
قال مقاتل بن حيان: " فأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما أنزل الله في التوراة قبل أن ينزل الإنجيل فكفر من كفر من أهل التوراة والإنجيل، فكذبهم محمدا صلى الله عليه وسلم بقولهم: أن عزير ابن الله، والمسيح ابن مريم ابن الله، وأن الله ثالث ثلاثة، وأن عيسى هو الله،
(١).انظر: العلمانية، نشأتها وتطورها: ٥٨
(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢٨.
(٣) التفسير الميسر: ١١٦.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨١.
(٥) درة التنزيل وغرة التأويل: ١/ ٤٦٥.
(٦) الوجيز: ٣٢٢.
(٧) الككشاف: ٢/ ١٩٩.
(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٦.