للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن كثير: " أي: متبعًا لها، غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: {وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: ٥٠]؛ ولهذا كان المشهور من قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بَعْضَ أحكام التوراة" (١).

وفي قوله تعالى: : {وَمُصَدِّقًا} [المائدة: ٤٦]، وجهان (٢):

أحدهما: أن يكون لعيسى وتعطفه على مصدقا الأول.

والثاني: أن يكون حالا من الإنجيل، ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقرا فيه هدى ونور ومصدقا.

قوله تعالى: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [المائدة: ٤٦]، أي: " وقد جعلناه بيانًا للذين يخافون الله وزاجرًا لهم عن ارتكاب المحرَّمات" (٣).

قال الواحدي: " معناه: وهادياً وواعظاً" (٤).

قال ابن كثير: " أي: وجعلنا الإنجيل {هُدًى} يهتدى به، {وَمَوْعِظَةً} أي: وزاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم {لِلْمُتَّقِينَ} أي: لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه" (٥).

قال القرطبي: أي: " هاديا وواعظا {للمتقين}، وخصهم لأنهم المنتفعون بهما" (٦).

قال السعدي: أي: " فإن [المتقين] الذين ينتفعون بالهدى، ويتعظون بالمواعظ، ويرتدعون عما لا يليق" (٧).

قال الشيخ ابن عثيمين: " و «التقوى»: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه" (٨).

الفوائد:

١ - أن التوراة والإنجيل: كتابان أنزلا على موسى وعيسى عليهما السلام، - على الترتيب - إلى بني إسرائيل.

٢ - ومن الفوائد أن التوراة كانت مضموماً إليها تعديلات الإنجيل شريعة وعقيدة، قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: ٤٦ - ٤٧]، لكن الذي حدث هو أن هذه الشريعة لم يكتب لها التطبيق على المستوى العام لسببين متلازمين:

الأول: أنه لم يقم لها دولة تتبناها وتقيمها في الأرض، إذ من المعلوم أن عيسى عليه السلام، توفاه الله ورفعه إليه وهو لم يزل في مرحلة الدعوة التي تشبه حال الدين الإسلامي قبل الهجرة.

والثاني: أنه، عليه السلام، قد بعث إلى قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد، وفي الوقت نفسه كانت المنطقة المبعوث فيها جزءاً من مستعمرات إمبراطورية وثنية عاتية، فكان ميلاد الدين الجديد في محيط معاد كل العداء له ولرسوله ونتج عن ذلك اضطهاد فظيع للمؤمنين به لم يدع لهم فرصة لتطبيقه إلا في النطاق الشخصي الضيق.

وكان أول من وضع العراقيل أمام دعوة المسيح وشريعته اليهود قتلة الأنبياء، وتكاد الأناجيل والرسائل تكون وصفاً للعنت الذي لقيه المسيح وأتباعه من الطوائف اليهودية، وقد


(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٣) التفسير الميسر: ١١٦.
(٤) الوجيز: ٣٢١.
(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧.
(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٩.
(٧) تفسير السعدي: ٢٣٣.
(٨) تفسير ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة: ١/ ٢٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>