للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال: لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنية فلانة. قال: فرضي القوم، فعفوا وتركوا القصاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبَّره» (١) " (٢).

الفوائد:

١ - حكم القصاص في الإسلام وهو المساواة والمماثلة فيقتل الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة

والمرأة بالرجل والرجل بالمرأة، ويقتل القاتل بما قتل به مماثلة لحديث: "المرء مقتول بما قتل به".

ولما كان العبد مقوماً بالمال فإنه لا يقتل به الحر، بل يدفع إلى سيده مال. وبهذا حكم الصحابة والتابعون وعليه الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وخالف أبو حنيفة فرأى القود فيقتل الحر بالعبد أخذاً بظاهر هذه الآية.

٢ - وجوب القود في النفس والقصاص في الجراحات؛ لأن ما كتب على بني إسرائيل كتب على هذه الأمة.

٣ - من الظلم أن يعتدى في القصاص بأن يقتل الواحد اثنان أو يقتل غير القاتل أو يفقأ بالعين الواحدة عينان مثلاً، وهو كفر مع الاستحلال وظلم في نفس الوقت.

٤ - محاسن الشرع الإسلامي وما فيه من اليسر والرحمة حيث أجاز العفو والدية بدل القصاص.

القرآن

{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)} [المائدة: ٤٦]

التفسير:

وأتبعنا أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم مؤمنًا بما في التوراة، عاملا بما فيها مما لم ينسخه كتابه، وأنزلنا إليه الإنجيل هاديا إلى الحق، ومبيِّنًا لما جهله الناس مِن حكم الله، وشاهدًا على صدق التوراة بما اشتمل عليه من أحكامها، وقد جعلناه بيانًا للذين يخافون الله وزاجرًا لهم عن ارتكاب المحرَّمات.

قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: ٤٦]، أي: " وأتبعنا أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم" (٣).

قال البغوي: " أي: على آثار النبيين الذين أسلموا، {بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} " (٤).

قال القرطبي: " أي: جعلنا عيسى يقفو آثارهم، أي: آثار النبيين الذين أسلموا" (٥).

قال الواحدي: " أَيْ: جعلناه يقفو آثار النَّبيِّين يعني: بعثناه بعدهم على آثارهم" (٦).

قال ابن كثير: " {وَقَفَّيْنَا}، أي: أتبعنا {َلَى آثَارِهِمْ}، يعني: أنبياء بني إسرائيل -عليه السلام-" (٧).

قال القاسمي: " أي: أتبعنا على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، أي: أرسلناه عقبهم مصدقا" (٨).

قال السعدي: " أي: وأتبعنا هؤلاء الأنبياء والمرسلين، الذين يحكمون بالتوراة، بعبدنا ورسولنا عيسى ابن مريم، روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم" (٩).

يقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا، قال الشاعر (١٠):

إِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا ... لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب

ومنه: قافية الشعر (١١).

قوله تعالى: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} [المائدة: ٤٦]، أي: " عاملا بما فيها مما لم ينسخه كتابه" (١٢).

قال القرطبي: " يعني: التوراة، فإنه رأى التوراة حقا، ورأى وجوب العمل بها إلى أن يأتي ناسخ" (١٣).

قال ابن كثير: " أي: مؤمنا بها حاكما بما فيها" (١٤).

قال السعدي: " بعثه الله مصدقا لما بين يديه من التوراة، فهو شاهد لموسى ولما جاء به من التوراة بالحق والصدق، ومؤيد لدعوته، وحاكم بشريعته، وموافق له في أكثر الأمور الشرعية، وقد يكون عيسى عليه السلام أخف في بعض الأحكام، كما قال تعالى عنه أنه قال لبني إسرائيل: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: ٥٠] " (١٥).

قال الواحدي: أَيْ: "يُصدِّق أحكامها ويدعو إليها" (١٦).

قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: ٤٦]، أي: " وأنزلنا إليه الإنجيل هاديا إلى الحق، ومبيِّنًا لما جهله الناس مِن حكم الله" (١٧).

قال ابن كثير: "أي: هدى إلى الحق، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات" (١٨).

قال القاسمي: " {فِيهِ هُدًى}، أي: إلى الحق {وَنُورٌ}، أي: بيان للأحكام" (١٩).

قال السعدي: أي: " يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبين الحق من الباطل" (٢٠).

وقرأ الحسن: «الإنجيل»، بفتح الهمزة/ فإن صح عنه فلأنه أعجمى خرج لعجمته عن زناة العربية، كما خرج: هابيل، وآجر (٢١).

قوله تعالى: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} [المائدة: ٤٦]، أي: " وشاهدًا على صدق التوراة بما اشتمل عليه من أحكامها" (٢٢).

قال السعدي: أي: " بتثبيتها والشهادة لها والموافقة" (٢٣).

قال القاسمي: "أي: لما فيها من الأحكام. وتكرير ذلك لزيادة التقرير" (٢٤).


(١) المسند (٣/ ١٢٨) وصحيح البخاري برقم (٦٨٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٥).
(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢١ - ١٢٢.
(٣) التفسير الميسر: ١١٦.
(٤) تفسير البغوي: ٣/ ٦٤.
(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٨.
(٦) الوجيز: ٣٢١.
(٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧.
(٨) محاسن التأويل: ٤/ ١٥٤.
(٩) تفسير السعدي: ٢٣٣.
(١٠) البيت بلا نسبة في: "لسان العرب" ٦/ ٣٧٠٨، و"أساس البلاغة" ص ٢/ ٢٦٩، والتفسير البسيط: ٣/ ١٢٨.
(١١) انظر: تهذيب اللغة" ٣/ ٣٠١٣، "المحرر الوجيز" ١/ ٣٨٥، والتفسير البسيط: ٣/ ١٢٨، واللسان" ٦/ ٣٧٠٨ مادة (قفا).
(١٢) التفسير الميسر: ١١٦.
(١٣) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٠٨.
(١٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧، ونقله بتمامه القاسمي في محاسن التأويل: ٤/ ١٥٤.
(١٥) تفسير السعدي: ٢٣٣.
(١٦) الوجيز: ٣٢١.
(١٧) التفسير الميسر: ١١٦.
(١٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٧.
(١٩) محاسن التأويل: ٤/ ١٥٤.
(٢٠) تفسير السعدي: ٢٣٣.
(٢١) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣٩.
(٢٢) التفسير الميسر: ١١٦.
(٢٣) تفسير السعدي: ٢٣٣.
(٢٤) محاسن التأويل: ٤/ ١٥٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>