عن البراء قوله: {فأولئك هم الظالمون}، قال: أنزلت في اليهود" (١). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن ابن عباس والشعبي والحسن ومقاتل بن حيان نحو ذلك" (٢).
وروي عن عطاء قوله: " {فأولئك هم الظالمون}، قال: ظلم دون ظلم" (٣).
قال ابن كثير: " وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا حكي مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب بهذه الآية، حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة.
وقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة. رواه ابن أبي حاتم.
وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه ثالثها: أن شرع إبراهيم حجة دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالا عن الشافعي ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا.
وقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ، رحمه الله، في كتابه "الشامل" إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة.
وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم: «أن الرجل يقتل بالمرأة» (٤).
وفي الحديث الآخر: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (٥)، وهذا قول جمهور العلماء" (٦).
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: " أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية؛ لأن ديتها على النصف من دية الرجل، وإليه ذهب أحمد في روايته عنه وحكي هذا عن الحسن البصري وعطاء، وعثمان البتي، ورواية عن أحمد به أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، بل تجب ديتها.
وهكذا احتج أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهور فيهما، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين علي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مسلم بكافر" (٧).
وأما العبد فعن السلف في آثار متعددة: أنهم لم يكونوا يُقيدون العبد من الحر، ولا يقتلون حرًا بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة.
ويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك: عن أنس بن مالك: «أن الرُّبَيع عَمّة أنس كسرت ثَنيَّة جارية، فطلبوا إلى القوم العفو، فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "القصاص". فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أنس، كتاب الله القصاص". قال:
(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٥١): ص ٤/ ١١٤٦.
(٢) تفسير ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٤٦.
(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٤٥٢): ص ٤/ ١١٤٦.
(٤) سنن النسائي (قسامة باب ٤٦).
(٥) روي من حديث عبد الله بن عباس: أخرجه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٨٣) من طريق سليمان عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٥٣): "هذا إسناد ضعيف لضعف حنش واسمه حسين بن قيس". وروي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أخرجه أبو داود في السنن برقم (٤٥٣١) من طريق يحيى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢١.
(٧) صحيح البخاري برقم (٦٩٠٣).