للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في مصحف أبى: «وأن الجروح قصاص»، والمعطوفات كلها قرئت منصوبة ومرفوعة، والرفع للعطف على محل أن النفس، لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس، إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا، وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك النفس بالنفس مما يقع عليه الكتب كما تقع عليه القراءة. تقول: كتبت الحمد لله (١).

قوله تعالى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: ٤٥]، أي: " فمن تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المُعتدي فذلك تكفير لبعض ذنوب المعتدى عليه وإزالةٌ لها" (٢).

قال ابن عباس: " فمن عفى عنه وتصدق عليه، فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب" (٣).

قال الزمخشري: أي: " فمن تصدق من أصحاب الحق به بالقصاص وعفا عنه فهو كفارة له فالتصدق به كفارة للمتصدق يكفر الله من سيئاته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته" (٤).

وفي قوله تعالى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: ٤٥]، تاويلان:

أحدهما: أنه كفارة للجروح، وهو قول عبد الله بن عمر (٥)، وإبراهيم (٦)، والحسن (٧)، وقتادة (٨)، والشعبي (٩)، وجابر بن زيد (١٠).

روى الشعبي عن ابن الصامت قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَنْ جُرِحَ فِي جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَتَصَدَّقَ بِهَا كَفَّرَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِمِثْلِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ" (١١).

والثاني: أنه كفارة للجارح، لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وهذا قول ابن عباس (١٢)، ومجاهد (١٣)، وزيد بن اسلم (١٤)، وهذا محمول على من عفى عنه بعد توبته.

قال الطبري: " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: عني به: فمن تصدّق به فهو كفارة له، المجروحَ فلأن تكون الهاء في قوله: {له}، عائدةً على {مَنْ}، أولى من أن تكون مِنْ ذِكْر من لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح، وأحرَى، إذ الصدقة هي المكفِّرة ذنبَ صاحبها دون المتصدَّق عليه في سائر الصدقات غير هذه، فالواجب أن يكون سبيلُ هذه سبيلَ غيرها من الصدَّقات" (١٥).

قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)} [المائدة: ٤٥]، أي: " ومن لم يحكم بما أنزل الله في القصاص وغيره، فأولئك هم المتجاوزون حدود الله" (١٦).

قال ابن كثير: " لأنهم جحدوا حكم الله قصدًا منهم وعنادًا وعمدًا، وقال هاهنا: {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا، وتعدى بعضهم على بعض" (١٧).


(١) انظر: الكشاف: ١/ ٦٣٨.
(٢) التفسير الميسر: ١١٥.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٤٧): ص ٤/ ١١٤٥.
(٤) الكشاف: ١/ ٦٣٨.
(٥) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٧٣) - (١٢٠٧٥): ص ١٠/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٦) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٧٦): ص ١٠/ ٣٦٣.
(٧) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٨٢): ص ١٠/ ٣٦٥.
(٨) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٨٤): ص ١٠/ ٣٦٥.
(٩) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٨٣): ص ١٠/ ٣٦٥.
(١٠) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٧٧): ص ١٠/ ٣٦٣.
(١١) أخرجه أحمد (٢٢٧٩٢): ص ٣٧/ ٤٥٤، والطبري (١٢٠٨١): ص ١٠/ ٣٦٤ - ٣٦٥، ورواه البيهقي بغير هذا اللفظ من طريق أبي داود، عن محمد بن أبان، عن علقمة بن مرثه، عن الشعبي، وقال: هو منقطع، وذلك أن الشعبي، لم يسمع من عبادة بن الصامت، وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣/ ١٦٨، وزاد نسبته للنسائي، عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد.
(١٢) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٨٦): ص ١٠/ ٣٦٦، و (١٢٠٩٦) - (١٢٠٩٨)، و (١٢١٠١): ص ٣٦٧ - ٣٦٨.
(١٣) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٨٧) - (١٢٠٩٣): ص ١٠/ ٣٦٦ - ٣٦٧.
(١٤) نظر: تفسير الطبري (١٢٠٩٤): ص ١٠/ ٣٦٧.
(١٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٣٦٩.
(١٦) التفسير الميسر: ١١٥.
(١٧) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٢٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>