قال الرازي: " لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين على حمله على ظهره سنة" (١).
والثالث: أنه ندم إذ لم يواره حين قتله (٢).
قال الرازي: " أنه كان عالما منه بكيفية دفنه، فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر من العمل، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافا به، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر رق قلبه وقال: إن هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قتله أخفاه تحت الأرض، أفأكون أقل شفقة من هذا الغراب" (٣).
والرابع: أنه ندم على فوات أخيه، لا على ركوب الذنب (٤).
والخامس: أنه ندم ولم يستمر ندمه (٥).
والسادس: أنه ندم عندما رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه.
قال القرطبي: " وقال قوم: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به، فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك: {يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين}، حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة" (٦).
والسابع: أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، فلما تعلم ذلك من الغراب علم أن الغراب أكثر علما منه وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وقلة معرفته، فندم وتلهف وتحسر على فعله. أفاده الرازي (٧).
قال الرازي: " أن ندمه كان لأجل أنه تركه بالعراء استخفافا به بعد قتله، فلما رأى أن الغراب دفنه ندم على قساوة قلبه وقال: هذا أخي وشقيقي ولحمه مختلط بلحمي ودمه مختلط بدمي، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على الغراب ولم تظهر مني على أخي كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة فكان ندمه لهذه الأسباب، لا لأجل الخوف من الله تعالى فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم" (٨).
والثامن: أنه صار من النادمين على قتل أخيه، لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته، فكان ندمه لأجل هذه الأسباب لا لكونه معصية (٩).
قال ابن العربي: " كل من ندم فقد سلم، لكن الندم له شروط، فكل من جاء بشروطه قبل منه، ومن أخل بها أو بشيء منها لم يقبل" (١٠).
قال ابن عطية: " لما رأى قابيل فعل الغراب تنبه على ما يجب أن يصنع بأخيه، ورأى قصور نفسه وجهل البشر بالأمور، فقال: {يا ويلتى أعجزت} الآية، واحتقر نفسه ولذلك ندم ... ثم إن قابيل وارى أخاه وندم على ما كان منه من معصية الله في قتله حيث لا ينفعه الندم، واختلف العلماء في قابيل هل هو من الكفار أو من العصاة، والظاهر أنه من العصاة" (١١).
وقال أبو الليث عن ابن عباس: "لو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه" (١٢).
(١) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.
(٢) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٩.
(٣) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.
(٤) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٩، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢.
(٦) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢.
(٧) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.
(٨) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.
(٩) انظر: مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.
(١٠) أحكام القرآن: ٢/ ٨٨.
(١١) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.
(١٢) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٨٤، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢، ومحاسن التأويل: ٤/ ١١١.