للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقرأ الجمهور: «يا ويلتى» والأصل «يا ويلتي» لكن من العرب من يبدل من الياء ألفا ويفتح الياء لذلك فيقولون «يا ويلتى» ويا غلاما ويقف بعضهم على هاء السكت فيقول يا ويلتاه. وقرأ الحسن بن أبي الحسن «يا ويلتى» ونداء الويلة هو على معنى احضري فهذا أوانك، وهذا هو الباب في قوله: {يا حسرة} [يس: ٣٠] وفي قوله: يا عجبا وما جرى مجراه من نداء هذه الأمور التي لا تعقل وهي معان (١).

وقرأ الجمهور: «أعجزت» بفتح الجيم. وقرأ ابن مسعود والحسن والفياض وطلحة بن سليمان: «أعجزت» بكسر الجيم، وهي لغة (٢).

وقرأ طلحة بن مصرف والفياض بن غزوان: «فأواري» بسكون الياء، وهي لغة لتوالي الحركات (٣).

قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: ٣١]، أي: " فعاقبه الله بالندامة بعد أن رجع بالخسران" (٤).

قال الحسن البصري: "علاه الله بندامة بعد خسران" (٥).

قال السمرقندي: أي: على حمله حيث لم يدفنه حين قتله" (٦).

قال الطبري: أي: " على ما فرط منه، من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه" (٧).

أخرج الطبري عن ابن إسحاق، فيما يذكر عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل، قال: لما قتله سُقِط في يديه، ولم يَدْر كيف يواريه. وذلك أنه كان، فيما يزعمون، أوَّل قتيل من بني آدم وأوّل ميت قال: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} الآية، إلى قوله: {ثم إن كثيًرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون}، قال: ويزعم أهل التوراة أن قابيل حين قتل أخاه هابيل قال له جل ثناؤه: يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا! فقال الله جل وعز له: إنّ صوت دم أخيك لينادِيني من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرضِ التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك. فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثَها حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض. قال قابيل: عظمت خطيئتي من أن تغفرها! قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قُدَّامك، وأكون فزعًا تائهًا في الأرض، وكل من لقيني قتلني! فقال الله جل وعز: ليس ذلك كذلك، ولا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحدٍ سبعة، ولكن من قتل قابيل يجزي سبعة، وجعل الله في قابيل آية لئلا يقتله كل من وجده، وخرج قابيل من قدام الله عز وجل من شرقي عدن الجنة" (٨).

وعن خيثمة قال: "لما قتل ابن آدم أخاه نَشِفت الأرض دمه، فلُعِنت فلم تَنْشَف الأرض دمًا بعد" (٩).

فان قيل: أليس الندم توبة، فلم لم يقبل منه؟ فعنه خمسة أجوبة:

أحدها: أنه يجوز أن لا يكون الندم توبة لمن تقدمنا، ويكون توبة لهذه الأمة، لأنها خصت بخصائص لم تشارك فيها، قاله الحسن بن الفضل (١٠).

والثاني: أنه ندم على حمله لا على قتله (١١).


(١) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.
(٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.
(٣) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.
(٤) التفسير الميسر: ١١٢.
(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٠.
(٦) بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.
(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٩.
(٨) تفسير الطبري (١١٧٦٥): ص ١٠/ ٢٢٨. هذا الذي رواه ابن إسحق من قول أهل التوراة، تجده في كتاب القوم في سفر التكوين، في الإصحاح الرابع، وهو ترجمة أخرى لهذه الفقرة من هذا الإصحاح.
(٩) أخرجه الطبري (١١٧٦٦): ص ١٠/ ٢٢٩.
(١٠) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٩.
(١١) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>