للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أحدهما: أنه كان ملكاً على صورة الغراب، فبحث الأرض على سوأة أخيه حتى عرف كيف يدفنه. ذكره الماوردي (١).

والثاني: أنه كان غراباً، بحث الأرض على غراب آخر. وفيه وجوه (٢):

أحدها: أن قابيل لم يدر كيف يفعل بهابيل حتى بعث الله الغرابين، فتنازعا فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، فبحث الأرض عليه.

قال ابن عباس: " مكث يحمل أخاه في جِرابٍ على رقبته سنًة، حتى بعث الله جل وعز الغُرَابين، فرآهما يبحثان، فقال: أعجزتُ أن أكون مثل هذا الغراب؟ فدفن أخاه" (٣).

قال مجاهد: ": بعث الله غرابًا حتى حفر لآخر إلى جنبه ميت وابن آدم القاتل ينظر إليه ثم بحث عليه حتى غيَّبه" (٤).

الثاني: أن الغراب إنما بعث ليري ابن آدم كيفية المواراة لهابيل خاصة.

والثالث: وقيل: إن الغراب بحث الأرض على طعمه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه، لأنه من عادة الغراب فعل ذلك، فتنبه قابيل ذلك على مواراة أخيه. وهذا قول أبي مسلم (٥)، وذكره القرطبي (٦).

قال أبو مسلم: "عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم ذلك منه" (٧).

قال القرطبي: " وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جهلت سنة المواراة" (٨).

قوله تعالى: {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} [المائدة: ٣١]، أي: " فتعجَّب قابيل، وقال: أعجزتُ أن أصنع مثل صنيع هذا الغراب فأستُرَ عورة أخي؟ " (٩).

قال السمرقندي: " يعني: أضعفت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأغطي عورة أخي" (١٠).

قال قتادة: " أنه بعثه الله عز ذكره يبحثُ في الأرض، ذكر لنا أنهما غرابان اقتَتَلا فقتل أحدهما صاحبه، وذلك يعني ابن آدم ينظر، وجعل الحيّ يَحْثِي على الميت الترابَ، فعند ذلك قال ما قال: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} الآية، إلى قوله: {من النادمين} " (١١).

قال الضحاك: " بعث الله غرابًا حيًّا إلى غراب ميّت، فجعل الغراب الحيُّ يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب}، الآية" (١٢).

قال الرازي: " قوله: {يا ويلتى}، اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة، ولفظها لفظ النداء، كأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره، أي أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك، وذكر «يا» زيادة بيان كما في قوله: {يا ويلتى أألد} [هود: ٧٢] " (١٣).


(١) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣١.
(٢) انظر: أحكام القرآن لان العربي: ٢/ ٨٦.
(٣) أخرجه الطبري (١١٧٥٢): ص ١٠/ ٢٢٥.
(٤) أخرجه الطبري (١١٧٥٥): ص ١٠/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤١.
(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٤١.
(٧) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤١. .
(٨) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢.
(٩) التفسير الميسر: ١١٢.
(١٠) بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.
(١١) أخرجه الطبري (١١٧٦٠): ص ١٠/ ٢٢٧.
(١٢) أخرجه الطبري (١١٧٦٤): ص ١٠/ ٢٢٧.
(١٣) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>