قال: يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي، فهو قول الله: فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه " (١).
قال ابن عطية: " معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره، ومن هذا سميت سورة براءة البحوث لأنها فتشت عن المنافقين ومن ذلك قول الشاعر (٢):
إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوني كان فيهم مباحث
وفي مثل: لا تكن كالباحث عن الشفرة" (٣).
وقال الشاعر (٤):
فكانت كعنز السوء قامت برجلها ... إلى مدية مدفونة تستثيرها
قوله تعالى: {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة: ٣١]، أي: " ليدل قابيل كيف يدفن جُثمان أخيه" (٥).
قال الطبري: أي: " ليريه كيف يواري جيفةَ أخيه" (٦).
قال الرازي: " {ليريه}، فيه وجهان: الأول: ليريه الله، أو ليريه الغراب، أي ليعلمه، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز" (٧).
قال ابن عطية: " والضمير في قوله: {سوأة أخيه}، يحتمل أن يعود على قابيل ويراد بالأخ هابيل، ويحتمل أن يعود على الغراب الباحث ويراد بالأخ الغراب الميت، والأول أشهر في التأويل" (٨).
وفي معنى قوله تعالى: {سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة: ٣١]، وجوه (٩):
أحدها: يعني: عورة أخيه. ذكره السمرقندي (١٠).
قال الرازي: " {سوأة أخيه}: عورة أخيه، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده، والسوأة الفضيحة لقبحها" (١١).
قال ابن عطية: " السوأة: العورة، وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، ولأن سترها أوكد" (١٢).
والثاني: جيفة أخيه لأنه تركه حتى أنتن، فقيل لجيفته سوأة (١٣). وهذا اختيار الإمام الطبري (١٤).
والثالث: يعني: جسده الميت، فإنه مما يستقبح أن يرى. أفاده البيضاوي (١٥).
والرابع: ويحتمل أن يراد «بالسوأة» هذه الحالة التي تسوء الناظر بمجموعها، وأضيفت إلى المقتول من حيث نزلت به النازلة لا على جهة الغض منه بل الغض حق للقاتل وهو الذي أتى «بالسوأة». أفاده ابن عطية (١٦).
وفي الغراب المبعوث قولان:
(١) أخرجه الطبري (١١٧٥٤): ص ١٠/ ٢٢٥.
(٢) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١، وذكره القرطبي: ٦/ ١٤٣.
(٣) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١، وذكره القرطبي: ٦/ ١٤٣ بتمامه.
(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٣.
(٥) التفسير الميسر: ١١٢.
(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٩.
(٧) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤١.
(٨) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.
(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٠.
(١٠) انظر: بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.
(١١) مفاتيح الغيب: ١١/ ٣٤١.
(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٨١.
(١٣) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣١.
(١٤) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٩.
(١٥) انظر: تفسير البيضاوي: ٢/ ١٢٤.
(١٦) انظر: المحرر الوجيز: ٢/! ٨١.