قال الرازي: " قيل: إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس وقال: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فإن عبدت النار أيضا حصل مقصودك، فبنى بيت نار وهو أول من عبد النار.
وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل بالبصرة في موضع المسجد الأعظم، وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه، فقال ما كنت عليه وكيلا، فقال بل قتلته، ولذلك اسود جسدك، ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط" (١).
الفوائد:
١ - أن قوله {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} يدل، على أنه كان يهاب قتل أخيه، وتجبن فطرته دونه، فما زالت نفسه الأمارة بالسوء تشجعه عليه حتى تجرأ وقتل عقب التطويع بلا تفكر ولا تدبر للعاقبة.
٢ - قالت المعتزلة: لو كان خالق الكل هو الله تعالى لكان ذلك التزيين والتطويع مضافا إلى الله تعالى لا إلى النفس.
وجوابه: أنه لما أسندت الأفعال إلى الدواعي، وكان فاعل تلك الدواعي هو الله تعالى فكان فاعل الأفعال كلها هو الله تعالى (٢).
القرآن
{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)} [المائدة: ٣١]
التفسير:
لما قتل قابيلُ أخاه لم يعرف ما يصنع بجسده، فأرسل الله غرابًا يحفر حفرةً في الأرض ليدفن فيها غرابًا مَيِّتًا; ليدل قابيل كيف يدفن جُثمان أخيه؟ فتعجَّب قابيل، وقال: أعجزتُ أن أصنع مثل صنيع هذا الغراب فأستُرَ عورة أخي؟ فدَفَنَ قابيل أخاه، فعاقبه الله بالندامة بعد أن رجع بالخسران.
قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ} [المائدة: ٣١]، أي: " فأرسل الله غرابًا يحفر حفرةً في الأرض ليدفن فيها غرابًا مَيِّتًا" (٣).
قال الطبري: أي: " فأثار الله للقاتل إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول، غرابًا يحفر في الأرض، فيثير ترابها" (٤).
قال عطية: " لما قتله ندم، فضَّمه إليه حتى أروح (٥)، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يَرْمي به فتأكله" (٦).
قال قتادة: " قتل غرابٌ غرابًا، فجعل يحثُو عليه" (٧).
قال مجاهد: " وارى الغراب الغراب. قال: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأى الغراب يدفن الغرابَ" (٨).
قال السدي بإسناده إلى الصحابة: " لما مات الغلام تَركه بالعراء، ولا يعلم كيف يَدْفن. فبعث الله جل وعزّ غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حَثا عليه. فلما رآه
(١) مفاتيح الغيب: ١١/ ٢٤١. وسوف يأتي ذكر تلك النصوص في تفسير الآية التالية.
(٢) م مفاتيح الغيب: ١١/ ٢٤٠ - ٢٤١.
(٣) التفسير الميسر: ١١٢.
(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٩.
(٥) أروح اللحم، وأراح. أنتن.
(٦) أخرجه الطبري (١١٧٥٩): ص ١٠/ ٢٢٦.
(٧) أخرجه الطبري (١١٧٦١): ص ١٠/ ٢٢٧.
(٨) أخرجه الطبري (١١٧٦٢): ص ١٠/ ٢٢٧.