أحدها: أنه وجده نائمًا فشدَخ رأسه بصَخرة. وهذا القول رواه السدي عن عبد الله بن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (١).
والثاني: أنه لم يدر كيف يقتله، فتمثَّل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرًا فقطع رأسه، ثم وضعه بين حجرين فشدَخ رأسه، فعلَّمه القتل. وهذا قول مجاهد (٢)، وابن جريج (٣).
قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفة قتله إياه. وجائزٌ أن يكون على نحو ما قد ذكر السديّ في خبره وجائزٌ أن يكون كان على ما ذكره مجاهد، والله أعلم أيُّ ذلك كان. غير أن القتل قد كان لا شك فيه" (٤).
قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: ٣٠]، أي: " فأصبح من الخاسرين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم" (٥).
قال النحاس: " أي ممن خسر حسناته و «الخسران»: النقصان" (٦).
قال السمرقندي: " يعني: فصار من المغبونين في العقوبة" (٧).
قال الواحدي: أي: " خسر دنياه بإسخاط والديه وآخرته بسخط الله عليه" (٨).
قال الطبري: أي: " فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم، من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، بإيثارهم إياها عليها، فوُكسوا في بيعهم، وغبنوا فيه، وخابوا في صفقتهم" (٩).
قال الزجاج: أي: " ممن خسر حسناته، وكان حين قتله سلبه ثيابه وتركه عاريا بالأرض القفار" (١٠).
قال الجصاص: " يعني: خسر نفسه بإهلاكه إياها لقوله تعالى إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ولا دلالة في قوله فأصبح من الخاسرين على أن القتل كان ليلا وإنما المراد به وقت مبهم جائز أن يكون ليلا وجائز أن يكون نهارا وهو كقول الشاعر (١١):
أصبحت عاذلتي معتله
وليس المراد النهار دون الليل، وكقول الآخر (١٢):
بكرت علىّ عواذلى ... يلحيننى وألومهنّه
ولم يرد بذلك أول النهار دون آخره وهذا عادة العرب في إطلاق مثله والمراد به الوقت المبهم" (١٣).
(١) انظر: تفسير الطبري (١١٧٤٦): ص ١٠/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٢) انظر تفسير الطبري (١١٧٤٩): ص ١٠/ ٢٢٢.
(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٧٤٧)، و (١١٧٤٨): ص ١٠/ ٢٢٢.
(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٥) التفسير الميسر: ١١٢.
(٦) معاني القرآن: ٢/ ٢٩٧.
(٧) بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.
(٨) الوجيز: ٣١٦.
(٩) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٤.
(١٠) معاني القرآن: ٢/ ١٦٧.
(١١) البيت لمسكين بن عامر الحنظلي، كما في المعاني الكبير في أبيات المعاني: ٣/ ١٢٣٧، والزهرة للبغدادي: ٢٢٩ [مرقم آليا]، وأمالي القالي: ١/ ١٣٨، والبيت تمامه: " قرمتْ بل هي وحمى للصخبْ.
(١٢) ديوانه ص ٦٦، وتخريجه فيه، وزد عليه: غريب أبى عبيد، وغريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٥٣٧، والجمل المنسوب للخليل ص ١٣٣، والأصول ٢/ ٣٨٣، والبغداديات ص ٤٢٩، والأزهية ص ٢٦٧، ورصف المبانى ص ١١٩، وفهارسه، والجنى الدانى ص ٣٩٩، وشرح أبيات المغنى ١/ ١٨٨. ويأتى هذا الشعر فى المعاجم، فى مادة (أنن)، وفى كتب التفسير وإعراب القرآن، فى الكلام على قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ الآية (٦٣) من سورة طه. انظر مثلا معانى القرآن وإعرابه للزجاج ٣/ ٣٦٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٤٤، وتفسير القرطبى ٦/ ٢٤٧، ١١/ ٢١٨.
(١٣) أحكام القرآن: ٤/ ٤٨ - ٤٩.