للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)} [المائدة: ٣٠]

التفسير:

فَزَيَّنت لقابيلَ نفسُه أن يقتل أخاه، فقتله، فأصبح من الخاسرين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم.

قوله تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ} [المائدة: ٣٠]، أي: " فَزَيَّنت لقابيلَ نفسُه أن يقتل أخاه، فقتله" (١).

قال الزجاج: أي: " تابعته" (٢).

قال الواحدي: أي: " سهَّلته وزيَّنت له ذلك" (٣).

قال السمرقندي: " يعني: تابعت له نفسه على قتل أخيه" (٤).

قال ابن كثير: " أي: فحسنت وسوّلت له نفسه، وشجعته على قتل أخيه فقتله، أي: بعد هذه الموعظة وهذا الزجر" (٥).

قال الزمخشري: أي: " فوسعته له ويسرته، من طاع له المرتع: إذا اتسع. وقرأ الحسن: فطاوعت" (٦).

وفي قوله تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ} [المائدة: ٣٠]، اقوال:

أحدها: يعنى شجعت له نفسه قتل أخيه، وهو قول مجاهد (٧).

والثاني: يعني: زيَّنَت له، وهو قول قتادة (٨).

والثالث: يعني فساعدته (٩).

والرابع: يعني: فغلت، من الطوع. حكاه الزجاج عن المبرد (١٠).

قال الجصاص: " والمعنى في جميع ذلك أنه فعله طوعا من نفسه غير متكره له ويقال إن العرب تقول طاع لهذه الظبية أصول الشجر وطاع فلان كذا أي أتاه طوعا ويقال انطاع بمعنى انقاد ويقال طوعت له نفسه ولا يقال أطاعته نفسه على هذا المعنى لأن قولهم أطاع يقتضى قصد أمنه لموافقة معنى الأمر وذلك غير موجود في نفسه وليس كذلك الطوع لأنه لا يقتضي أمرا ولا يجوز أن يكون آمر لنفسه ولا ناهيا لها إذ كان موضوع الأمر والنهي ممن هو أعلى لمن دونه وقد يجوز أن يوصف بفعل يتناوله ولا يتعدى إلى غيره كقولك حرك غيره وقتل نفسه كما يقال حرك غيره وقتل غيره" (١١).

قال الرازي: " قال المفسرون: سهلت له نفسه قتل أخيه. ومنهم من قال شجعته، وتحقيق الكلام أن الإنسان إذا تصور من القتل العمد العدوان كونه من أعظم الكبائر، فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله، فيكون هذا الفعل كالشيء العاصي المتمرد عليه الذي لا يطيعه بوجه البتة، فإذا أوردت النفس أنواع وساوسها صار هذا الفعل سهلا عليه، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له بعد أن كان كالعاصي المتمرد عليه" (١٢).

ثم اختلفوا في صفة قتله إياه، كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله، وفيه وجوه:


(١) التفسير الميسر: ١١٢.
(٢) معاني القرآن: ٢/ ١٦٧.
(٣) الوجيز: ٣١٦.
(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.
(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٨.
(٦) الكشاف: ١/ ٦٢٦.
(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧٤٢) - (١١٧٤٤): ص ١٠/ ٢٢١.
(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٧٤٥): ص ١٠/ ٢٢١.
(٩) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٣٠.
(١٠) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦٧.
(١١) أحكام القرآن: ٤/ ٤٨.
(١٢) مفاتبح الغيب: ١١/ ٣٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>