وإن قيل: أنه ومن الغريب أنّ الله أخبر عنه أنّه ندم وأنّه في النّار، وقال النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -: "النَّدِمُ تَوبَةٌ" (١).
فقال علماؤنا عنه ثلاثة أَوْجُهٍ (٢):
أحدها: أنّ الحديث لم يصحّ، ولكن المعنى صحيحٌ، وكلُّ من ندم سَلِمَ، لكن النَدم له شروطٌ، من جاء بها قُبِلَ منه، ومن أَخَلَّ بها ولم يأت بها لم يُقْبل منه.
الثّاني - قيل: معناه نَدِمَ ولم يَستَمرّ نَدَمُه، وإنّما يُقْبَلُ النَّدَمُ إذا اسْتَمَرَّ.
والثالث: قال علماؤنا: النَّدَمُ على المعاصي إنّما يقعُ بشرطِ العَزْمِ ألَّا يعود ولا يفعل في المستقبل.
قال ابن كثير: "والظاهر أن قابيل عُوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد بن جَبْر أنه علقت ساقه بفخذه يوم قتله، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلا به. وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من ذنب أجدر أن يُعَجَّل الله عقوبته في الدنيا مع ما يَدَّخر لصاحبه في الآخرة، من البَغْي وقطيعة الرحم» (٣). وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٤).
وقال المقدم: " فالظاهر أن الله سبحانه وتعالى لم يعف عنه؛ لأنه لم يتب مما فعل بأخيه، فيلزم أن يفسر قوله تعالى: {فأصبح من النادمين}، يعني: على حيرته حيث لم يهتد إلى ما اهتدى إليه الغراب الأعجم، فكان أخس وأقل من الغراب الأعجم، ولو كان نادماً على قتل أخيه لكانت الندامة توبة، لكنه لم يتب.
وظاهر الآيات أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، وأنه تعلم ذلك من الغراب، ولا مانع من ذلك؛ إذ مثله مما يجوز خفاؤه على الإنسان، لاسيما والعالم في أول طور النشأة، وكان هابيل أول قتيل من بني آدم، فيكون أول ميت، فيحتمل أنه لم يكن يعرف ما ويصنع بالميت إذا مات أو بالقتيل إذا قتل" (٥).
قال الطبري: " وكل ما ذكر الله عز وجلّ في هذه الآيات، مثلٌ ضربه الله عز ذكره لبني آدم، وحرَّض به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على استعمال العفوِ والصفح عن اليهود الذين كانوا هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم من بني النضير، إذ أتوهم يستعينونهم في دية قتيلي عمرو بن أمية الضمري، وعرَّفهم جل وعز رداءة سجيَّة أوائلهم، وسوء استقامتهم على منهج الحق، مع كثرة أياديه وآلائه عندهم. وضرب مثلهم في غَدْرهم، ومثل المؤمنين في الوفاء لهم والعفو عنهم، بابني آدم المقرِّبَين قرابينهما، اللذين ذكرهما الله في هذه الآيات. ثم ذلك مثلٌ لهم على التأسِّي بالفاضل منهما دون الطالح، وبذلك جاء الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم" (٦).
وروي عن الحسن، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أنه قال: "إن ابني آدم ضُرِبا مثلا لهذه الأمة، فخذوا بالخير منهما" (٧).
قال السمرقندي: " يقال: إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه، ثم إن قابيل كان على ذروة جبل، فنطحه ثور فوقع على السفح فتفرقت عروقه، ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به" (٨).
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٤٤)، والحمدي (١٠٥)، وأحمد: ١/ ٣٧٦، وابن ماجه (٤٢٥٢)، وأبو يعلى (٤٩٦٩)، وابن حبّان (٦١٢) من حديث ابن مسعود.
(٢) المسالك في شرح موطأ مالك: ٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥.
(٣)) رواه أبو داود في سننه برقم (٤٩٠٢) وابن ماجة في سننه برقم (٤٢١١) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.
(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٩٢.
(٥) تفسير القران الكريم: دروس صوتية: ٤١/ ٢.
(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٧) أخرجه الطبري (١١٧٦٨): ص ١٠/ ٢٣٠.
(٨) بحر العلوم: ١/ ٣٨٥. ولم اقف عليه ..