للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أنكرت باطلها وبؤت بحقها

وأصل البواء: مساواة الأجزاء في المكان، خلاف النبو الذي هو منافاة الأجزاء. يقال: مكان بواء: إذا لم يكن نابيا بنازله، وبوأت له مكانا: سويته فتبوأ، وباء فلان بدم فلان يبوء به أي: ساواه، قال تعالى: {وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً [يونس: ٨٧]، وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: ٩٣]، تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران/ ١٢١]، يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ [يوسف: ٥٦].

وروي أنه: «كان عليه السلام يتبوّأ لبوله كما يتبوّأ لمنزله» (١).

وبَوَّأْتُ الرمح: هيأت له مكانا، ثم قصدت الطعن به، وقال عليه السلام: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النّار» (٢)، وقال الراعي في صفة إبل (٣):

لها أمرها حتى إذا ما تبوّأت ... بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا

أي: يتركها الراعي حتى إذا وجدت مكانا موافقا للرعي طلب الراعي لنفسه متبوّأ لمضجعه.

ويقال: تَبَوَّأَ فلان كناية عن التزوّج، كما يعبّر عنه بالبناء فيقال: بنى بأهله.

ويستعمل البَوَاء في مراعاة التكافؤ في المصاهرة والقصاص، فيقال: فلان بواء لفلان إذا ساواه، وقوله عزّ وجلّ: {باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [الأنفال: ١٦]، أي: حلّ مبّوأ ومعه غضب الله، أي: عقوبته، وقوله: {بِغَضَبٍ} في موضع حال، كخرج بسيفه، أي: رجع، لا مفعول نحو: مرّ بزيد. واستعمال (باء) تنبيها على أنّ مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله، فكيف غيره من الأمكنة؟ وذلك على حدّ ما ذكر في قوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: ٢١] ... " (٤).

وفي قوله تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: ٢٩]، وجوه:

أحدها: أن تبوء بإثم قتلي وإثمك الذي عليك من معاصيك وذنوبك، وهذا قول ابن عباس (٥)، وابن مسعود (٦)، والضحاك (٧)، وقتادة (٨)، ومجاهد-في أحدى الروايات- (٩).

والثاني: وقيل: كأنه كان يمنعه عن القتل، وأراد ترك القتل؛ كيلا يبوء بالإثم. ذكره السمعاني (١٠).

والثالث: وقيل {بإثمي}، أي: بإثم قتلى، {وإثمك}، أي: الذي من أجله لم يتقبل قربانك. قاله الزجاج (١١).

والرابع: وقيل: {بإثمي}: أن تقتلني، {وإثمك}: ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة. حكاه الماتريدي عن القتبي (١٢).


(١)) الحديث عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتبوّأ لبوله كما يتبوأ لمنزله» أخرجه الطبراني في الأوسط، وهو من رواية يحيى بن عبيد بن دجي عن أبيه. قال الهيثمي: ولم أر من ذكرهما، وبقية رجاله موثقون. انظر: مجمع الزوائد ١/ ٢٠٩. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة، وانظر: المطالب العالية ١/ ١٥.
(٢) الحديث صحيح متفق على صحته وهو في فتح الباري ٣/ ١٣٠ في الجنائز، ومسلم رقم ١٤١ في المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله. وقال جعفر الكتاني: لا يعرف حديث رواه أكثر من ستين صحابيا إلا هذا، ولا حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرة إلا هو. انظر: نظم المتناثر ص ٢٣، وشرح السنة ١/ ٢٥٣.
(٣) البيت في ديوانه ص ١٦٤، وغريب الحديث ٤/ ٤٤٤، والجمهرة ٢/ ٣٤٧، والفائق ١/ ٦٥٥.
(٤) المفردات في غريب القرآن: ١٥٨ - ١٥٩.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣٠): ص ١٠/ ٢١٥.
(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣٠): ص ١٠/ ٢١٥.
(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣٥): ص ١٠/ ٢١٦.
(٨) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣١)، و (١١٧٣٢): ص ١٠/ ٢١٥.
(٩) انظر: تفسير الطبري (١١٧٣٣)، (١١٧٣٤): ص ١٠/ ٢١٥ - ٢١٦.
(١٠) انظر: تفسير السمعاني: ٢/ ٣١.
(١١) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٦٧، وذكره الزمخشري في الكشاف: ١/ ٦٢٥.
(١٢) انظر: تفسير الماتريدي: ٣/ ٤٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>