منزلة وسعتك إذ قتل عثمان ولم تنصره؟ قال: إن عثمان كان إمامًا وأنه نهى عن القتال، وقال: من سلَّ سيفه فليس مني، فلو قاتلنا دونه عصيناه، قال: فأي منزلة وسعت عثمان إذا استسلم؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم إذ قال لأخيه: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} " (١).
وما أروع ما قاله محمد بن سيرين في هذا الموضوع: "ما علمت أن عليًّا اتُّهِم في دم عثمان حتى بويع، فلما بويع اتهمه الناس، وذلك أمر مركوز في الطبائع" (٢).
القرآن
{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)} [المائدة: ٢٩]
التفسير:
إني أريد أن ترجع حاملا إثم قَتْلي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك، فتكون من أهل النار وملازميها، وذلك جزاء المعتدين.
قوله تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: ٢٩]، أي: " إني أريد أن ترجع حاملا إثم قَتْلي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك" (٣).
قال الواحدي: أي: " أن تحمل إثم قتلي وإثم الذي كان منك قبل قتلي" (٤).
قال السمرقندي: " يعني: إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني: بقتلك إياي، وبإثمك الذي عملت قبل قتلي، وهي الخيانة في القربان وغيره" (٥).
قال الزجاج: " أي: أن ترجع إلى الله بإثمي وإثمك" (٦).
قال السمعاني: " فكأنه مريد لقتله مجازا وإن لم يكن مريدا حقيقة" (٧).
قال الزمخشري: " المراد بالإثم وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب" (٨).
قال المراغي: " أي: إنى أريد بالابتعاد من مقابلة الجريمة بمثلها أن ترجع إن فعلتها ملتبسا بإثمى وإثمك أي بإثم قتلك إياى، وإثمك الخاص بك الذي كان من آثاره عدم قبول قربانك" (٩).
قال ابن عطية: " قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} الآية، ليست هذه بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخير في شرين، كما تقول العرب في الشر خيار، فالمعنى إن قتلتني وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوما سيستنصر الله لي في الآخرة، و {تبوء}، معناه: تمضي متحملا. وقوله: {بإثمي وإثمك}، قيل معناه: بإثم قتلي وسائر آثامك التي أوجبت أن لا يتقبل منك" (١٠).
قال الراغب: " قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك}، [المائدة: ٢٩] أي: تقيم بهذه الحالة. قال (١١):
(١) العقد الفريد: ٥/ ٥٢ - ٥٣.
(٢) مصنف ابن ابي شيبة (٣٠٧١٠): ص ٦/ ٢٠٧.
(٣) التفسير الميسر: ١١٢.
(٤) الوجيز: ٣١٦.
(٥) بحر العلوم: ١/ ٣٨٤.
(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٦٧.
(٧) تفسير السمعاني: ٢/ ٣١.
(٨) الكشاف: ١/ ٦٢٦.
(٩) تفسير المراغي: ٦/ ٩٩.
(١٠) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٩.
(١١) الشطر للبيد، وعجزه:
عندي ولم يفخر علي كرامها
وهو في ديوانه ص ١٧٨، شرح المعلقات ١/ ١٧٠، والعباب الفاخر (بوء) ١/ ٥٦.
(٢) قال الصاغاني: ويقال: باء بحقه، أي: أقر، وذا يكون أبدا بما عليه لا له. انظر العباب: (بوء)، واللسان (بوء)، والمجمل (بوء).