هم فيه، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك"» (١).
عن رِبْعِيّ قال: "كنا في جنازة حُذَيفة، فسمعت رجلا يقول: سمعت هذا يقول في ناس: مما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري، فلألجنَّه، فلئن دخل عَليّ فلان لأقولن: ها بؤ بإثمي وإثمك، فأكون كخير ابني آدم" (٢).
الفوائد:
١ - لا يجوز في دين الله قتل النفس المسلمة إلا بإحدى ثلاث كما في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين، التارك للجماعة " (٣).
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ". قال ابن: " إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله " (٤).
وقد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين أن يقاتل بعضهم بعضاً، وأخبر أن القاتل والمقتول في النار، فعن أبي بكرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قال: فقلت، أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " (٥).
ولذا فإن العبد الصالح أبى أن يقاتل أخاه، خشية أن يكون من أهل النار، فباء القاتل بإثمه وإثم أخي.
٢ - أنه ما عبد الله بمثل الخوف من الله، وطريق الخوف والحزن والشفقات والحياء من الله تبارك وتعالى (٦)، قال: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: ٢٨].
٣ - أن الخوف من الله تعالى إيمان، فمن خاف غيره فإنما صرف إليه حقا من حقوق ربه، فأما من أخلص للخوف له، فإنه جل جلاه مدحه وأثنى عليه ووعده إلا من يوم الفزع، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: ١٢].
وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: ٥٢].
وقال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى
} [النازعات: ٤٠ - ٤١]
وقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (٣) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: ٢ - ٤]
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لن يلج النار حتى يكتب من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع" (٧) (٨).
وقد جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه عبارة تصور موقف علي من مقتل عثمان أحسن تصوير قال سعيد الخزاعي: "لقيت عليًّا بعد الجمل، فقلت له: إني سائلك عن مسألة كانت منك ومن عثمان، فإن نجوت اليوم نجوت غدًا إن شاء الله، قال: سل عما بدا لك، قلت: أخبرني أي
(١) المسند (٥/ ١٤٩)، وصحيح مسلم برقم (٦٤٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣١) وسنن الترمذي برقم (١٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (١٢٥٦).
(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٧.
(٣) أخرجه البخاري برفم: ٦٨٧٨. ومسلم برقم: ١٦٧٦ ..
(٤) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: [ومن يقتل مؤمنا متعمد]، فتح الباري: (١٢/ ١٨٧).
(٥) رواه مسلم، كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما: (٤/ ٢٢١٣).
(٦) انظر: شرح السنة للبربهاري: ١٠٦.
(٧) المنهاج في شعب الإيمان للبيهقي: ١/ ٥١٥.
(٨) انظر: المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٥١٥.