للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال القرطبي: " قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ ألا يستل أحد سيفا، وألا يمتنع ممن يريد قتله، قال علماؤنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا. وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك، لما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر (١)، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة" (٢).

قوله تعالى: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: ٢٨]، أي: " إني أخشى الله ربَّ الخلائق أجمعين" (٣).

قال الطبري: أي: " إنّي أخاف الله في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك، {رب العالمين}، يعني: مالك الخلائق كلها أن يعاقبني على بسط يدي إليك" (٤).

قال ابن كثير: " أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب" (٥).

قال السعدي: أي: " وليس ذلك جبنا مني ولا عجزا. وإنما ذلك لأني {أخاف الله رب العالمين} والخائف لله لا يقدم على الذنوب، خصوصا الذنوب الكبار. وفي هذا تخويف لمن يريد القتل، وأنه ينبغي لك أن تتقي الله وتخافه" (٦).

ثبت في الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه" (٧).

قال الجصاص: " فإنما أراد بذلك إذا قصد كل واحد منهما صاحبه ظلما على نحو ما يفعله أصحاب العصبية والفتنة" (٨).

وعن بُسْر بن سعيد؛ أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: "أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «"إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي». قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إليَّ ليقتلني قال: «كن كابن آدم» " (٩).

قال أيوب السَّخْتَياني: "إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} لَعُثْمان بن عفان رضي الله عنه" (١٠).

عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: «ركب النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وأردفني خلفه، وقال: "يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوعٌ شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟ ". قال: قال الله ورسوله أعلم. قال: "تعفف" قال: "يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موتٌ شديد، ويكون البيت فيه بالعبد، يعني القبر، كيف تصنع؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "اصبر". قال: "يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا، يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف تصنع؟ ". قال: الله ورسوله أعلم. قال: "اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك". قال: فإن لم أتْرَك؟ قال: "فأت من أنت منهم، فكن فيهم قال: فآخذ سلاحي؟ قال: "إذًا تشاركهم فيما


(١) سوف يأتي. وانظر: الحديث في المسند (٥/ ١٤٩)، وصحيح مسلم برقم (٦٤٨) وسنن أبي داود برقم (٤٣١) وسنن الترمذي برقم (١٧٦) وسنن ابن ماجة برقم (١٢٥٦).
(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ١٣٦.
(٣) التفسير الميسر: ١١٢.
(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٤.
(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٥.
(٦) تفسير السعدي: ٢٢٨.
(٧)) صحيح البخاري برقم (٣١) وصحيح مسلم برقم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.
(٨) أحكام القرآن: ٤/ ٤٧.
(٩) المسند (١/ ١٨٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٤).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير: ٣/ ٨٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>