قال القرطبي: أي: " فأنا لا أقصد قتلك، فهذا استسلام منه ... وقيل: المعنى: لا أقصد قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي، وعلى هذا قيل: كان نائما فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر على ما يأتي ومدافعة الإنسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس العادي" (١).
قال الزمخشري: " قيل: كان أقوى من القاتل وأبطش منه، ولكنه تخرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفا من الله لأن الدفع لم يكن مباحا في ذلك الوقت" (٢).
وإن قيل: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله: {لئن بسطت ..... } {ما أنا بباسط}؟
الجواب: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع. ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي (٣).
وفي قوله تعالى: {مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} [المائدة: ٢٨]، قولان:
أحدهما: أما أنا بمنتصر لنفسي، قاله ابن عباس (٤).
والثاني: ما كنت لأبتدئك، قاله عكرمة (٥).
وفي سبب امتناعه من دفعه عنه قولان:
أحدهما: أنه منعه التحرج مع قدرته على الدفع وجوازه له، قاله ابن عمر (٦)، وابن عباس (٧)، وجمهور الناس (٨).
قال ابن عمر: " وايم الله، إن كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن يبسُط إلى أخيه" (٩).
والثاني: أن دفع الانسان عن نفسه لم يكن في ذلك الوقت جائزا، قاله الحسن (١٠)، ومجاهد (١١).
قال ابن عطية: " والقول الأول هو الأظهر، ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر، لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحدا ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة، ونحو هذا فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه" (١٢).
وقال الإمام الطبري: " وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلمًا، وأن المقتول قال لأخيه: ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك، لأنه كان حرامًا عليه من قتل أخيه مثلُ الذي كان حرامًا على أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه، كان المقتول عالمًا بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله، فترك دفعَه عن نفسه. بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غِيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرةٍ (١٣)، فإذْ كان ذلك ممكنًا، ولم يكن في الآيةِ دلالة على أنه كان مأمورًا بترك منع أخيه من قتله، يكون جائزًا ادعاءُ ما ليس في الآية، إلا ببرهان يجب تسليمُه" (١٤).
(١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٣٦.
(٢) الكشاف: ١/ ٦٢٤.
(٣) انظر: الكشاف: ١/ ٦٢٥ - ٦٢٦.
(٤) انظر: تفسير الطبري (١١٧٢٨): ١٠/ ٢١٣.
(٥) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٧.
(٦) انظر: تفسير الطبري (١١٧٢٧): ١٠/ ٢١٣.
(٧) انظر: تفسير الطبري (١١٧٢٨): ١٠/ ٢١٣.
(٨) انظر: المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٩.
(٩) أخرجه الطبري (١١٧٢٧): ١٠/ ٢١٣.
(١٠) انظر: زاد المسير: ١/ ٥٣٧.
(١١) انظر: تفسير الطبري (١١٧٢٩): ١٠/ ٢١٣.
(١٢) المحرر الوجيز: ٢/ ١٧٩.
(١٣) وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج، انظر: تسير الطبري (١١٧٤٦) - (١١٧٤٩): ص ١٠/ ٢٢١.
(١٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٤.